للقراءة والتحميل: حاجي خليفة، و"لزوم العلوم العربية" في كشف الظنون . د. محمود السيد الدغيم، جريدة الحياة؛ العدد:16249. الصفحة: 21 . يوم الأحد 18 رمضان المبارك سنة 1428 هـ/ 30 أيلول/ سبتمبر سنة 2007م

*اضغط هنا*

******
لقراءة القسم الأول
اضغط هنا
******
لقراءة القسم الثاني
اضغط هنا
******
لتحميل كتاب كشف الظنون
اضغط هنا
******

رابط قراءة البحث في جريدة الحياة

اضغط هنا

*******

لواحق مقدمة كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لمؤلفه حاجي خليفة

د. محمود السيد الدغيم

ضمَّن حاجي خليفة الباب الخامس من مقدمة كشف الظنون لواحق المقدمة وما في ذلك من الفوائد وفيه مطالب. فقال: مطلبُ لُزومِ العُلوم العربية. واعلمْ أنَّ مباحِثَ العلوم إنّما هي في المعاني الذهنية والخيالية من بين العلوم الشرعية التي أكثرها مَباحِث الألفاظ، وموادّها، ومن بين العلوم العقلية، وهي في الذهن واللغات إنّما هي تُرجُمان عمّا في الضمائر من المعاني، ولا بُدَّ في اقتناصِها من ألفاظها بمعرفة دلالتها اللفظية والخطية عليها، وإذا كانت الملكة في الدلالة راسخةً بحيث تتبادرُ المعاني إلى الذهنِ من الألفاظِ زالَ الْحِجابُ بَيْنَ المعاني والفَهم، ولم يبقَ إلاّ مُعاناة ما في المعاني من المباحث.
هذا شأن المعاني والفهم مع الألفاظ والخطّ بالنسبة إلى كلِّ لُغة ثم إنّ الملّة الإسلامية لما اتَّسَع مِلْكُها، ودَرَسَتْ علومُ الأولين بِنُبوَّتِها وكِتابها صَيَّروا علومَهم الشرعية صناعةً بعد أنْ كانت نقلاً، فحدثتْ فيها الملكات، وتشوّقوا إلى عُلوم الأُمَمِ فنقلوها بالترجمة إلى علومهم، وبقيت تلك الدفاترُ التي بلُغتِهم الأعجمية نسياً مَنسيًّا، وأصبحت العلومُ كلّها بلُغةِ العربِ، واحتاج القائمون بالعلوم إلى معرفةِ الدِّلالات اللفظيّة والخْطيّة في لسانهم دون ما سواه من الألْسُنِ لِدُرُوْسِهَا وذهابِ العِناية بِها.
وقد ثَبَتَ أنّ اللغةَ ملكةٌ في اللسان، والْخَطَّ صِناعةٌ ملكتها في اليدِ، فإذا تقدمتْ في اللسان ملكةُ العُجمةِ صار مُقصِّراً في اللغة العربية لأنَّ الملكةَ إذا تقدَّمتْ في صِناعةٍ قَلَّ أنْ يُجيدَ صاحبُها ملَكَةً في صِناعةٍ أُخرى، إلاّ أنْ تكونَ مَلكةُ العُجمةِ السابقةِ لم تَسْتَحْكِمْ؛ كما في أصاغر أبناء العَجم، وكذا شأنُ مَنْ سَبَقَ له تعَلُّمُ الخطِّ الأعجميّ قَبْلَ العربيّ.
ولذلك ترى بعضَ عُلماء الأعاجم في دُروسِهم يَعدلُونَ عن نقلِ المعنى من الكُتب إلى قِراءَتِها ظاهراً يُخفّفون بذلك عن أنفسِهم مُؤونَةَ بعضِ الحجب، وصاحبُ الملكة في العبارة والخطِّ مُسْتَغْنٍ عن ذلك.
مَطْلَبُ علوم اللسان العربيّ:
اعلمْ أنّ أركانه أربعة، وهي: اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، لما سبق من أنّ مأخذَ الأحكامِ الشرعيّةِ عربيٌّ، فلابُدَّ من معرفة العلوم المتعلِّقة به، ويتفاوت في التأكُّد بتفاوُت مراتبها في التَّوفِيَةِ بمقصودِ الكلام، والظاهرُ أنَّ الأهَمَّ هو النحو؛ إذْ به تتبيَّنُ أصولُ المقاصِد بالدِّلالة، ولولاهُ لَجُهِلَ أصلُ الإفادةِ، وكان من حَقِّ عِلم اللغة التقديمُ لولا أنَّ أكثر الأوضاع باقيةٌ في موضوعاتها لم يتغير بخلافِ الإعراب، فإنّه يتغيرُ بالجملة، ولم يبقَ له أثرٌ، وليس اللغة كذلك.
مَطلَبُ الأدبيات:
واعلمْ أنَّ المقصودَ مِن عِلم الأدب - عند أهل اللسان - َثَمَرَتُهُ، وهي الإجادةُ في فَنَّيِّ المنظومِ والْمَنثور على أساليبِ العرَب، فيجمعون لذلك من حفظ كلام العرب، والمهمّ من الأنساب والأخبار العامة، والمقصود بذلك: أنْ لا يَخْفى على الناظر فيه شيءٌ من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتِهم إذا تصفَّحَهُ، ثُمَّ أنّهم إذا حَدُّوْا هذا الفنَّ قالوا: هو حِفظُ أشعار العرب وأخبارها والأخذُ بكُلِّ عِلمٍ من طَرَفٍ، يريدون من علوم اللسانِ، والعلوم الشرعية لأنّه لا مَدخِل لغير ذلك من العلوم في كلامهم إلاّ ما ذهب إليه المتأخرون عند كَلَفِهِم بصناعة الموارد بالإصطلاحات العِلمية، فاحتاج حينئذٍ إلى معرفتها.
مَطْلَبٌ: انه لا تتَّفقُ الإجادةُ في فَنّيِّ التّعلّم والنثر إلاّ لِلأقلِّ، والسببُ فيه أنه ملكةٌ في اللسان، فإذا سبقت إلى محله ملكة أخرى قصرت عن تمام تلك الملكة اللاحقة لأنّ قبولَ الملكات وحصولها على الفطرة الأولى أسهلُ، وإذا تقدَّمتها ملكاتٌ أخرى كانت منازعةً لها فوقعت الْمُنافاةُ، وتعذَّرَ التّمَامُ في الملكة، وهذا موجودٌ في الملكات الصناعية كلِّها على الإطلاق.
مطلب: تعيين العلم الذي هو فرضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُكَلَّفٍ، أعني: الذي يتضمَّنُهُ قولُه عليه الصلاة والسلام: "طَلَبُ العِلم فريضةٌ على كُلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمة".
واعلمْ أنّ للعُلماء اختلافاً عظيماً في تعيين ذلك العِلم.
قال المفسرون؛ والمحدِّثون: هو عِلم الكتاب والسنة.
وقال الفقهاء: هو العِلم بالحلال والحرام.
وقال المتكلِّمون: هو العِلم الذي يُدرَكُ به التوحيدُ الذي هو أساسُ الشريعة.
وقال الصوفِيَّةُ: هو عِلْمُ القلب، ومعرفة الخواطر لأنَّ النِّيَّةَ التي هي شرطٌ للأعمالِ لا تَصِحُّ إلاّ بِها.
وقال أهلُ الحقِّ: هو عِلم المكاشفةِ.
والأقرب إلى التحقيق: إنّه الْعِلْمُ الذي يشتمِل عليه قولُهُ عليه الصلاةُ والسّلامُ "بُنِيَ الإسلامُ على خمس..." الحديث، لأنَّهُ الفرض على عامّةِ المسلمين، وهو اختيارُ الشيخ أبي طالب الْمَكِّيّ، وزاد عليه بعضُهُم: إنَّ وُجوبَ الْمَبانِي الخمْسة إنّما هو بقَدرِ الحاجَةِ، مثلاً مَنْ بَلَغَ ضَحوَة النهار يَجبُ عليه أنْ يعرفَ الله سُبحانه وتعالى بصِفاتِهِ استدلاْلاً، وأنْ يَتَعَلَّمَ كَلمَتيّ الشهادة مع فَهْمِ مَعناهُمَا، وإنْ عاشَ إلى وقتِ الظُّهْرِ يَجِبُ أنْ يتعَلَّمَ أحكامَ الطهارة والصلاة، وإنْ عاش إلى رمضان يجبُ أنْ يَتعلَّمَ أحكامَ الصوم، وإنْ مَلَكَ مالاً يجبُ أنْ يَتعلَّمَ كَيفيةَ الزكاة، وإنّ حَصَلَ له استطاعة الْحَجِّ يَجبُ أنْ يَتعلَّمَ أحكامَ الحجِّ ومناسِكَه. هذه هي المذاهب المشهورة في هذا الباب.
مطلبٌ: أسماءُ العلوم:
اعلمْ أنّ المشهورَ عند الجمهور أنّ حقيقةَ أسماءِ العلوم الْمُدوَّنَةِ المسائِلُ المخصُوصةُ، أو التصديقُ بها، أو الملَكَةُ الحاصِلَةُ - من إدراكِها مَرَّةً بعد أُخرى - التي تقتدِرُ بها على استحضارها متى شاءَ، واستِحصالُها مجهولة. وقال السيد الشريف الجرجاني، في حاشية كتاب شرح المواقف: "إنّ اسمَ كلِّ عِلمٍ موضوع بإزاء مفهومٍ إجمالِيٍّ شاملٍ له" انتهى.
ثم انّه قد تُطلَقُ أسماءُ العلوم على المسائل والمبادئ جميعاً؛ لكنّه قد يشعر كلام بعضِهم أنّ ذلك الإطلاقَ حقيقةٌ.
والرّاجِحُ أنّه على سبيل التجَوُّزِ والتّغليبِ، وإلاّ لَرُبَّما يلزمُ الاختلاطُ بين العِلمين إذْ بعضُ المبادئِ لِعِلمٍ يجوزُ أنْ يكون مسألة من عِلمٍ إلى آخر، فلا يتمايزان، ومِمَّا يجبُ التنبيهُ عليه أنّهم اختلفوا في أنّ أسماءَ العلوم مِن أيّ قبيلٍ مِنَ الأسماء.
اختار السيد الشريف الجرجاني: أنّها أعلامُ الأجناس، فإنّ اسمَ كُلِّ عَلَمٍ كُلِيّ يتناولُ أفراداً مُتعدِّدَةً إذ القائمُ منه بزيدٍ غير القائمِ منه بعمروٍ شخصاً.
وقال ابنُ ركن الدين الخوافي: إنّها أعلامٌ شخصيّةٌ نظراً إلى أنّ اختلافَ الأعراضِ باختلافِ الْمَحالِّ في حُكْمِ العَدَمِ.
وقال الحفيدُ: المنقولُ عن الْمُرَكَّبِ الإضافيّ لا يتعارف كونه اسمُ جنسٍ، وكثيرٌ من أسماء العلوم مُركباتٌ إضافية، وقد خطَرَ ببالي أنّه يجوزُ أنْ يجعل وضع أسماءِ العلوم من قَبِيْلِ وضعِ الْمُضْمَرات باعتبارِ خُصوصِ موضوعٍ، وعُمومِ الوضْعِ، ولا غُبارَ على هذا التوجيهِ إلاّ أنّه لَم يتعارف استعمالها في الْخُصوصيات.
مطلبٌ: عَدَمُ تعيين الموضوع في بعضِ العلومِ ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ لُزومَ الموضوع والمبادئ والمسائل على الوجه الْمُقرَّرِ سابقاً إنّما هو في الصِّناعاتِ النظرية البُرْهانية، وأمّا في غيرها فقد يظهرُ كما في الفقه وأصُوله، وقد لا يظهرُ إلاّ بتَكَلُّفٍ كما في بعض الأدبيات، إذْ رُبّما تكون الصناعةُ عبارةً عن عدَّةِ أوضاعٍ واصطلاحاتٍ وتنبيهاتٍ مُتعلّقةٍ بأمْرٍ واحِدٍ بغيرِ أنْ يكون هُناك إثباتُ أعراضٍ ذاتيّةٍ لِمَوضوعٍ واحِدٍ بأدلّةٍ مَبنيّةٍ على مُقدِّماتٍ. هذه فائدةٌ جليلة ذكَرَها العلامةُ التفتازانِيُّ في شرحِ المقاصِدِ، يُنْتَفَعُ بِها في مواضِعَ.
منها: جوازُ أنْ يُحالَ تصويرُ المبادئ التَّصَوُّريّةِ في عِلْمِهِ في عِلْمٍ على عِلْمٍ آخر.
ومنها: جَعْلُ اللغة والتفسير والحديث وأمثالها عُلوماً إلى غير ذلك.
الخاتِمَةُ: واعلمْ أنّ الغرضَ من وَضْعِ هذا الكتاب، أنّ الإنسان لما كان مُحتاجاً إلى تكميل نفْسِهِ البشرية، والتكمِيل لا يَتِمُّ إلاّ بالعِلم بحقائقِ الأشياءِ، وبالعلمِ بكتابِ الله، وسُنَّةِ رسولهِ، وَجَبَ تعَلُّمُ تلك العلوم، وما هو كالوسيلة إليها، ولزِمَهُ أولاً العِلمُ بأنواع العلوم لِيتبَيَّنَ منها هذا الغرض، ثُمَّ أنّ العِلمَ بأصناف الكُتُبِ في نفسِها ومرتبتِها لِيكونَ على بصيرةٍ من أمْرِهِ، ويُقايِسَ بَيْنَ العلوم والكُتُب، فيَعْلَم أفضلَها وأوثَقَها، ويعلم حالَ العالِمِ بهِ، وحالَ مَنْ يدَّعِي عِلْماً مِن العلوم، ويكشف دعواه بأنّهُ هلْ يُخبرُ خبراً تفصِيلياًّ عن موضوع ذلك العلم، وغايتِهِ ومرتبتهِ، فيُحْسِنُ الظنَّ بهِ فِيما ادَّعاهُ، ويعلم حالَ الْمُصنَّفات أيضاً ومراتبَها وجلالةَ قدْرِها، والتفاوُتَ فيما بينَها وكثرتها، وفيه إرشادٌ إلى تحصيلِها، وتعريفٌ له بما يعتمِدُهُ منها، وتحذيرهُ مما يُخافُ من الاغترار به، ويعلم حالَ المؤلفين ووفياتهم وأعصارهم، ولو إجمالاً، فلا يقصر بالعالي في الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيرَهُ عن مرتبته، ويُستفاد منه تشويقُ النفوس الزكية إلى الكَمَالاتِ الإنسانية، وتحريكُها إلى حُسْنِ الاقتداء والاقتفاء بإمرار النظر إلى آثار الأولين والآخرين، والفكر في أخبارهم، ولا يخفى أنّ الطِّبَاْعَ جُبِلَتْ على مُشاهدة الآثارِ، وتلقي الأخبار، سِيَّما الجديدة منها، فلا تَمِلُّ حِينئذٍ عَيْنٌ مِن نَظَرٍ، وأُذُنٌ من خَبَرٍ. نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ تالياً لِنعمةِ الإسلامِ، وهو حَسْبي ونِعم الوكيل، والهادي إلى سواء السبيل، مُجيبٌ قريبٌ عليه توكَّلْتُ وإليه أنيبُ.
*******
وقبل هذا البحث السلبق أورد حاجي خليفة بحثا آخر هو التالي
******

تعريف المبادئ المستعملة في العلوم عند حاجي خليفة في كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"
د. محمود السيد الدغيم

تناول حاجي خليفة تعريف العلم وإيضاح ماهيته في مقدمة كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، وتناول العِلمُ الْمُدوَّنُ وموضوعه ومبادئه ومسائله وغايته، فقال في حدِّ العِلم: "وأما حَدُّهُ الحقيقيُّ فإنَّمَا هو بتصوُّرِ مسائِلِهِ؛ أو بتصوُّرِ التصديقاتِ بِها، وأمَّا المبادئ وآنِيَةٌ الموضوعات فإنَّمَا عُدَّتْ جُزأً منها لِشِدَّةِ احتياجِها إليها. وفي تحقيق ما ذكرناهُ بياناتٌ ثلاثةٌ" وخصّص البيان الأول: في بحث الموضوع، وقد أوردناه في الحلقة الماضية. ثم أوردَ البيان الثاني في المبادئ، فأوضحها قائلاً:
"وهي المعلوماتُ الْمُسْتعمَلةُ في العلوم لبناءِ مطالِبها الْمُكتسَبَة عليها، وهي إمّا تصويرية؛ كحُدود موضوعِهِ، وحُدودِ أجزائِهِ وجُزئياتهِ ومَحمُولاتِهِ، إذْ لا بُدَّ من تصوُّرِ هذه الأمور بالْحَدِّ المشهور، وإمّا تصديقُهُ، وهي القضايا المتألِّفَةُ عنها قياساتُها، وهي على قسمين:
الأول: أنْ تكون بَيّنةً بنفسِها، وتُسمّى الْمُتعارفة، وهي:
إمّا مبادئ لكلِّ عِلمٍ، كقولِنا: النَّفْيُ والاثباتُ لا يجتمعان؛ ولا يرتفعان.
أوْ لِبعضِ العلوم، كقول إقليدس: إذا أُخِذَ من الْمُتساويين قَدران مُتساويان بقِيَ الباقيان مُتساويين.
الثاني: أن تكون غيْرَ بَيّنةٍ بنفْسِها لكنْ يجبُ تسليمُها، ومن شأنِها أنْ تُبيّنَ في عِلمٍ آخر، وهي مسائلٌ بالنسبة إلى ذلك العِلم الآخر، والتَّسليْمُ: إنْ كان على سبيلِ حُسْنِ الظّنِّ بالعلم تُسمّى أُصُوْلاً موضوعة، كقول الفقيه: هذا حرامٌ بالإجماع، فكونُ الإجماعِ حُجّة من الأمور الْمُسلّمة في الفِقه لأنّها من مسائِل الأُصولِ.
وإنْ كان على استنكارٍ تُسمّى مُصادرات مِنَ الْمُصادرات، ويجوز أنْ تكونَ الْمُقدِّمَةُ الواحدةُ عند شخْصٍ مِن الْمُصادرات، وعِندَ آخر من الأصُولِ الْمَوضوعةِ.
وقد تُسمّى الْحُدُوْدُ والمقدِّماتُ الْمُسَلَّمةُ أوضاعاً، وكُلُّ واحِدٍ منها يكون مَسائِلَ في عِلمٍ آخر فوقه إلى الأعلى، لكن يجوزُ أنْ يكونَ بعضُ مسائلِ العِلم السَّافِلِ موضوعاً وأصولاً للعِلم العالي بشرطِ أنْ لا تكونَ مُبَيّنة بنفسِها أوْ بغيرها من الأصول التي بُنِيَتْ على تلك المسائلِ؛ بلْ بِمُقدِّماتٍ بَيِّنَةِ بنفسِها، أو بغيرها من الأصول، ولا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وأيضاً لا يجوزُ أنْ يَثبُتَ شيءٌ مِن المقدِّمات غَيْرِ الْبَيِّنَةِ مِن الأصُول الموضوعة والْمُصادراتِ بالدَّلِيل إنْ توقَّفَ عليها جَمِيعُ مقاصِدِ العُلوم لِلدَّوْرِ فإنْ توَقَّفَ عليها بعْضُ مَقاصِدِها فيُمكِنُ بيانُها في ذلك العِلم. والأولُ: يُسمّى الْمَبادئُ العامّة ككَونِ النَّظَرِ مُفيداً لِلعين.
والثاني: المبادئُ الخاصَّةُ كإبطالِ الْحُسْنِ والْقُبْحِ الْعَقلِيَّيْنِ.
 
البيان الثالث: في مسائل العلوم، وهي القضايا التي تطلبُ في كُلِّ عِلمٍ نِسْبَةَ مَحمُولاتِها بالدَّليل إلى موضوعاتِها، وكُلُّ عِلمٍ مُدَوَّنُ المسائِلِ الْمُتشاركة في موضوعٍ واحدٍ كما مَرَّ، فيكون المسائلُ موضوعَ العِلمِ أعْنِيْ: أهلِيّته البسيطة وهي آنِيَّتُها.
وموضوع المسألة قد يكونُ بنفْسِهِ موضوعاً لذلك العِلمِ كقول النّحوي: كُلُّ كلامٍ مُرَكَّبٍ من اسْمَيْنِ أوْ اسمٍ وفِعلٍ، وإنَّ الكلامَ هو موضوعُ النَّحْوِ أيضاً.

وقد يكون موضوعُ المسألةِ موضوعَ ذلك العِلمِ مع عَرَضٍ ذاتِيّ له كقولنا في الهندسة: الْمِقدارُ الْمُباينُ لِشيءٍ مُباينٍ لِكلِّ مِقدارٍ يُشاركُهُ فالموضوعُ في المسألةِ؛ الْمِقدارُ الْمُبايِنُ، والمبيّن عَرَضٌ ذاتِيّ له.
وقد يكون موضوعُ المسألة نوعَ موضوعِ العِلمِ، كقولنا في الصّرف: الإسمُ إمّا ثُلاثِيٌّ، وإمّا زائِدٌ على الثُّلاثِيّ، فإنّ موضوعَ العِلمِ الكلِمةُ، والاسمَ نوعُهُ.
وقد يكون موضوعُ المسألة نوعَ موضوعٍ مع عَرَضٍ ذاتِيٍّ له، كقولنا في الهندسة: كلُّ خَطٍّ مُستقيمٍ وَقَعَ على مُستقيمٍ فالزّاويتانِ الحادِثتانِ إمّا قائِمَتانِ، أو مُعادِلتان لَهُمَاْ، فالْخَطُّ نوعٌ لِلمِقدار، والْمُستقِيْمُ عَرَضٌ ذاتِيٌّ له.
وقد يكون موضوعُ المسألةِ عَرَضاً ذاتِيًّا لِموضوعِ العِلمِ كقولنا في الهندسة: كُلُّ مُثلَّثٍ زواياهُ مُساويةٌ لِقائِمَتينِ فالْمُثَلَّثُ من الأعْرَاْضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْمِقدَارِ.
 
خاتمة الفصْلِ: في غاية العُلوم. واعلمْ أنّهُ إذا ترَتّبَ على فِعْلٍ أثَرٌ، فذلِكَ الأثرُ من حَيثْ أنَّهُ نتيجةٌ لِذلك الفعلِ وثمرته يُسمّى فائدة، ومن حيثً أنَّهُ على طَرَفِ الفِعل ونِهايَتِهِ يُسمَّى غاية، ففائدةُ الفِعل وغايتُهُ مُتَّحِدتان بالذات، ومختلفتان بالاعتبار، ثُمَّ ذلك الأثرُ الْمُسمَّى بهذين الأمرين إنْ كان سَبَبًا لإِقْدَاْمِ الفاعِلِ على ذلك الفِعلِ يُسَمَّى بالقياسِ إلى الفاعِل غرَضاً ومَقصُوداً، ويُسمَّى بالقياس إلى فِعْلِهِ عِلَّةً غائِيَّةً، والغرضُ والعِلَّةُ الغائيَّةُ مُتَّحِدان بالذاتِ، ومُختَلِفان بالاعتبارِ، وإنْ لَمْ يكُنْ سبباً لِلإقدامِ كان فائدةً وغايةً فقط، فالغاية أعَمُّ من العِلة الغائية، كذا أفادَهُ العَلامة الشريف الجرجاني، فَظَهَرَ أنَّ غايةَ العِلم ما يُطلَبُ ذلك العلمُ لأجْلِهِ ثُمَّ أنَّ غايةَ العُلوم غيْرُ الآليةِ حُصولُها أنفسها لأنَّها في حَدِّ ذاتِها مَقصودٌ بذواتِها، وإنْ أمكَنَ أنْ يترتبَ عليها مَنافِعُ أُخَر، والتَّغايُرُ الاعتباريُّ كافٍ فيه، فاللازمُ من كونِ الشيء غاية لنفْسِهِ أنْ يكونَ وجُودُهُ الذِّهنيّ عِلَّةً لِوجُودِهِ الخارجيّ، ولا مَحذور فيه، وأمَّا غايةُ العُلوم الآليةِ، فهوَ حُصولُ العَمَل سواءً أَ كان ذلك العملُ مَقصوداً بالذّاتِ، أو لأمْرٍ آخر يكونُ غايةً أخيرةً لتلك العلوم.

وبعد إيراد الفصول الثلاثة السابقة أورد حاجي خليفة في مقدمة كتاب كشف الظنون الفصل الرابع، وخصَّهُ  في تقسيم العلوم بتقسيمات معتبرة وبيان اقسامها إجمالا، فقال: "اعلمْ أنّ العِلمَ وإنْ كان مَعنىً واحِداً وحقيقةً واحدةً إلاّ أنّه يَنقسِمُ إلى أقسامٍ كثيرةٍ من جهاتٍ مُختلِفةٍ، فينقسِمُ من جهةٍ إلى قديمٍ ومُحْدَثٍ، ومن جهة مُتعلِّقةٍ إلى تصَوُّرٍ وتصديقٍ، ومن جِهةِ طُرُقِهِ إلى ثلاثةِ أقسام:
قِسْمٌ يثبُتُ في النفس.
وقِسْمٌ يُدرَكُ بالْحِسِّ.
وقِسْمٌ يُعلَمُ بالقِياس.
وينقسِمُ من جِهَةِ اختلافِ موضوعاتِهِ إلى أقسامٍ كثيرةٍ يُسمَّى بعضُها عُلُومًا، وبعضُها صَنائِعَ. وقد أوردنا ما ذكَرَهُ أصحابُ الْمَوضوعاتِ في حَصْرِ أقسامِها.
ثم أورد حاجي خليفة تقسيمات العلم، فذكر في التقسيم الأول أنّ العلوم المدونة على نوعين:
الأول: ما دونه المتشرِّعَةُ لِبيان ألفاظ القرآن، أو السُّنَّةِ النبويّة لفظاً وإسناداً، أو لإظهارِ ما قصد القرآن من التفسير والتأويل، أو لإثباتِ ما يُستفادُ منهما، يعني: الأحكام الأصليّة الاعتقاديّة، أو الأحكام الفرعيّة العَمَليّة، أو تعيين ما يُتوَصَلُ به مِن الأصول في استنباط تلك الفروع. أمّا ما دُوِّن لِمَدخوليته في استخراج تلك المعاني من الكتاب والسنة اعني الفنون الأدبية.
النوع الثاني: ما دَوَّنَه الفلاسفةُ لِتحقيق الأشياء كما هي، وكيفية العملِ على وِفْقِ عُقولِهم.
وذكر حاجي خليفة في التقسيم الثاني تقسيمين مشهورين:
أحدهما: أنّ العلوم إمّا نظرية، أي غير مُتعلقة بكيفية عملٍ، وإمّا عملية أيْ مُتعلقة بِها.
وثانيهما: أنَّ العُلومَ إمّا أنْ لا تكون في نفْسِها آلةٌ لتحصيل شيءٍ آخر، بلْ كانت مقصودة بذواتها، وتُسمّى غير آلية، وإمّا أنْ تكونَ آليةً لهُ غيرَ مقصودة في نفسها وتُسمَّى آلية، ومُؤداها واحدٌ، فأمّا ما يكون في حَدِّ ذاته آلة لتحصيل غيرهِ، فقد جمع معنى الآلى إلى معنى العملي، وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن مُتعلقاً بكيفية عملٍ، وما لم يتعلقْ بكيفية عملٍ لم يكُنْ في نفسِهِ آلة لغيره، فقد رجع معنى النظري، وغير الآلي إلى شيءٍ واحِدٍ، ثم أنّ النظريَّ والعمليَّ يُستعملان في معانٍ ثلاثةٍ:
أحدهما: في تقسيم مُطلقِ العُلوم، فالْمَنطقُ والْحِكمةُ العمليَّةُ والطبُّ العمَلي، وعِلمُ الخياطة كُلها داخلةٌ في العملي المذكور لأنها بأسْرِها مُتعلِّقَةٌ بكيفيّة عملِ، إمّا ذِهنِيّ كالمنطقِ، أو خارجيّ كالطبِّ مثلاً.
وثانيها: في تقسيم الحكمة فانّهم بعْدَ ما عرَّفوا الحكمةَ بأنها عِلمُ أحوال أعيانِ الموجودات على ما هي عليهِ في نفس الأمرِ بقدْرِ الطاقة البشرية، قالوا: تلك الأعيانُ. أمّا الأفعالُ والأعمالُ التي وجُودُها بقُدرتِنا واختيارنا أو لا.
فالعِلم بأحوال الأول من حيث يؤدّي إلى صلاح المعاش والمعاد يُسمّى حكمة عَملية.
والعلم بأحوال الثاني يُسمّى حكمة نظرية.
وثالثها: ما ذُكِرَ في تقسيم الصناعة، أيْ العِلم الْمُتعلِّقُ بكيفيَّةِ العمَلِ مِن أنّها إمّا عَمليّة، أيْ يتوَقَّفُ حُصُولُها على مُمارسة العمل من أنّها عملية، أيْ يتوقف حصولُها عليها، فالفِقهُ والنَّحْوُ والْمَنطِق والِحكِمة العملية والطِّبُّ العمليّ خارجة عن العملية بهذا المعنى، إذْ لا حاجةَ في حُصولِها إلى مُزاولة الأعمالِ بِخِلافِ عِلم الخياطةِ والْحِياكَةِ والِحِجامةِ لِتوَقُّفِهَا على الْمُمَارَسَةِ والْمُزاوَلَةِ.
 ثم أورد حاجي خليفة التقسيم الثالث فقال: اعلم ان العلم ينقسم إلى حكمى وغير حكمى والاخير ينقسم إلى ديني وغير ديني والديني إلى محمود ومذموم ومباح..وفصّل ذلك ثم أورد التقسيم الرابع فقال: إن كل علم إما أن يكون مقصودا لذاته أو لا.. وبعد تفصيل ذلك أورد التقسيم الخامس فرجح رأي طاشكبري زادة في مفتاح السعادة حيث قال : « اعلمْ أن للأشياء وجوداً في أربع مراتب، في الكتابة والعبارة والأذهان والأعيان، وكل سابق منها وسلية إلى اللاحق، لأن الخط دال على الألفاظ، وهذه على ما في الأذهان، وهذا على من في الأعيان، والوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل، وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي، واما الاولان فمجازيان قطعاً. ثم العلم المتعلق بالثلاث فإمّا عمليّ لا يقصد به حصول نفسه بل غيره، أو نظري يقصد به حصول نفسه، ثم ان كلاًّ منهما إمّا أنْ يبحث فيه من حيث أنّه مأخوذ من الشرع، فهو العلم الشرعي، أو من حيث انه مقتضى العقل فقط، فهو العلم الحكمي فهذه هي الأصول السبعة، ولكل منها أنواع ولأنواعها فروع يبلغ الكل على ما اجتهدنا في الفحص والتنقير عنه بحسب موضوعاته وأساميه وتتبع ما فيه من المصنفات إلى مائة وخمسين نوعا، ولعلي سأزيد بعد هذا.
 وأتبع حاجي خليفة تفصيل ذلك ثم أورد الفصل الخامس في مراتب العلم وشرفه وما يلحق به وفيه إعلامات: الإعلام الأول في شرفه وفضله. والإعلام الثاني
 في كون العلم الذ الاشياء وانفعها. والإعلام الثالث في دفع ما يتوهم من الضرر في العلم وسبب كونه مذموما. والإعلام الرابع في مراتب العلوم في التعليم. ثم أورد الباب الثاني في منشأ العلوم والكتب وما في ذلك من إفهامات. وتلاه الباب الثالث في المؤلفين والمؤلفات وفيه ترشيحات في أقسام التدوين وأصناف المدونات، ثم أورد الباب الرابع في فوائد منثورة من أبواب العلم وفيه مناظر وفتوحات، حول العلوم الإسلامية، وشرائط تحصيل العلم واسبابه، ثم أورد الباب الخامس في لواحق المقدمة من الفوائد وفيه مطالب
**********

Launch in external player

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
17043584
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة