عنوان المقالة: الصراع مع نجم الدين أربكان على المسرح السياسي التركي 
الكاتب: محمود السيد الدغيم  
جريدة الحياة، العدد: 12546، الصفحة: 18
تاريخ النشر: 2 ربيع الأول 1418 هـ/ 6 تموز/ يوليو 1997م

الوزارة 54 بين وزارتين مختلفتين

Necmettin Erbakan

وصل البوفسور نجم الدين أربكان الى رئاسة الوزارة التركية عن طريق صناديق الانتخاب ومنح الناخبُ » حزبَ الرفاه« اكثرية برلمانية أسفرت عن ولادة حكومة ائتلافية مع حزب »الطريق الصحيح« بزعامة تانسو تشيلر، بعد فشل ائتلاف يلماز - تشيلر ( الوزارة 53 ).

وبعدما نالت حكومة اربكان ( الوزارة 54 ) الثقة بدأ رئيس الجمهورية سليمان ديميريل ينسق مع يلماز على رغم انه من حزب منافس.

وأخيراً أوعز ديميريل الى أنصاره في حزب تشيلر بالانشقاق عنه، فشكل احسان جندروك حزب »تركيا الديموقراطية« الذي استقطب المنشقين من حزب »الطريق الصحيح« وبالإضافة إلى تنوع مذاهبهم لا يوجد بينهم سوى نائب برلماني يهودي واحد هو جافي كمحي.

تحالف العسكريتاريا

ارتفعت وتيرة الغزل بين عسكر تركيا، ولاسيما رئيس الأركان (الجنرال العلوي جيفيك بير) وقيادات اسرائيل، ولم يتخلف وزير الدفاع التركي طورها طيان عن الذهاب مراراً الى اسرائيل، وشكل ذلك ضغطاً على رئيس الوزراء، الأمر الذي دفعه للاستقالة.

قارنت الدكتور طانسو تشيلر بين وضع وزارة اربكان ووزارة المرحوم عدنان مندريس في تصريح أدلت به يوم الأربعاء الثاني من تموز ( يوليو ) الجاري 1997م، و تناقلته الأقنية التلفزيونية التركية وقالت فيه: »لقد قدموا عدنان مندريس رحمه الله ضحية بلا ذنب سنة 1960م، واليوم يضحون بوزارتنا بلا سبب. وأولئك وهؤلاء ملة واحدة«. واضافت: » لن ينتصر المنافقون ولن تستمر وزارتهم«.

وكان نجم الدين أربكان قد هتف بعدما نالت وزارته الثقة قبل سنة: " إن الماسونية لن تحكم تركيا بعد اليوم ". وكان نائب الرفاه الذي التحق بالمستقلين شوقي يلماظ أكثر صراحة حين أعلن قائلاً من التلفزيون » ان الرئيس ديميريل ماسوني ووضع على رأسه التوراة. حبذا لو يضع على رأسه القرآن«.

رغم كل المحاذير أغلقت الحكومة 54 صالة قمار في تركيا، والعديد من الحانات ومصانع الخمور، وأعادت الاعتبار لبعض الجوامع وأنصفت المساجين، ورفعت معاشات الموظفين والمتقاعدين، وكشفت الكثير من سرقات لصوص الدولة. لكن القوى المتضررة حالت دون اتمام المشروع حين تخوفت من ان أربكان يسعى الى احياء السوق الاسلامية عبر اتفاق كبرى الدول الاسلامية بغية تحقيق التقدم الصناعي والزراعي من أجل التحرر من التبعية الغربية. ودفع الخطر العديد من القوى في الداخل والخارج الى العمل على اسقاط الحكومة.

الضغوط

تزايد ضغط المؤسسة العسكرية على كل ما هو اسلامي ابتداء بمدارس الأئمة والخطباء الشرعية ومروراً بحجاب المرأة، الى رفع وتيرة التعامل مع اسرائيل، واستغلال الوضع الكردي المعقد. ووصل الضغط حد تدخل المحاكم العسكرية في الشؤون الاقتصادية ونهب الخزينة تحت ستار الحروب في شمال العراق والمناورات في البحر المتوسط.

إزاء ذلك الواقع طلبت تشيلر من أربكان ان يتنازل لها عن رئاسة الحكومة ففعل وقدم استقالته. وهنا انكشف خداع الرئيس ديميريل فلم يكلف تشيلر تشكيل الوزارة، بل زميله يلماز. وعلى الفور تكاتفت القوى المتضررة وأعلنت وحدة الصف ضد ائتلاف الرفاه و»الطريق الصحيح«.

ازدادت حدة الفرز في الشارع التركي وامتدت الى القيادة فشهدت الاحزاب فراراً من حزب الى حزب فتشرذم البرلمان بطريقة مخجلة.

وعلق النائب شوقي يلماز تلفزيونياً في مطار طرابزون على ساحل البحر الأسود »ان تنقل اعضاء البرلمان من حزب الى حزب يتمُّ بالرشوة التي بلغت ملايين الدولارات اضافة الى توزيع مناصب الوزارة والدولة بطريقة لااخلاقية«. وعندما سأله الصحافيون عن رأيه بوزارة يلماظ، قال شوقي يلماز: »هذه الوزارة كابن امرأة تزوجت سبعة رجال في ليلة واحدة. حكومة لقيطة«.

حكومة يلماز والبرلمان

تواجه حكومة يلماز تحديات كبرى. فالبرلمان مؤلف من 550 مقعداً، اثنان شاغران والباقي 548 مقعداً. اعداد نواب الاحزاب في تبدل مستمر، ففي آذار ( مارس ) الماضي غادر حزب أجاويد نائبان، وخسر يلماز بعض نوابه. واستقل صقور الرفاه. وشهد حزب تشيلر انشقاقاً فعلياً حين غادره التيار المعترض على وجود الاسلاميين في الحكم. وجراء هذا الوضع القلق تذبذب البرلمان.

وتوزعت المقاعد في 28/6/1997 كالآتي:

/ حزب الرفاه 154 نائباً.

/ حزب الطريق الصحيح 109 نواب.

/ حزب الوحدة الكبرى بقيادة محسن يازجي أوغلو 8 نواب.

/ المستقلون 18 نائباً.

/ حزب الوطن الأم 130 نائباً.

/ حزب اليسار الديموقراطي بقيادة بولند أجاويد 67 نائباً.

/ حزب الشعب الجمهوري بقيادة دنيز بايقال 49 نائباً.

/ حزب تركيا الديموقراطي بقيادة جندروك 11 نائباً.

/ حزب حركة الملة القومية نائبان.

رأى بعض المحللين السياسيين الاتراك ان البرلمان انقسم الى طرفين متصارعين قوام كل واحدٍ منهما 274 نائباً.

ولم تدم الصورة البرلمانية على تعادلها اذ طرأ عليها الخلل جراء انعدام الوازع الأخلاقي وتدفق المغريات المادية والمعنوية والوعود المعسولة.

وأكثر المصائب حلت في حزب الطريق الصحيح.

ففي 26 نيسان ( ابريل ) 1997 انشق عن الحزب يلماظ إريز، ويلديرم أق طونا ( استقالا من الوزارة ).

وفي 17/5/1997 استقالت من الوزارة ايشيلاي صايفين ثم انشقت عن حزبها والتحقت بحزب الوطن الأم.

وفي 23/5/1997 انشق شامل ايريم،

وفي 24/5/1997 انشق عن الحزب إلهان أق أوزوم،

ثم الموسوي جافي كمحي.

وفي 30/5/1997 انشق يلدريم عن الحزب بعدما استقال من الوزارة في 26/4/1997.

ثم طُرد من الحزب ياليم إيريز في 2/6/1997.

وفي 13/6/1997 استقال من الوزارة وزير السياحة بهاء الدين يوجيل.

وفي 22/6/1997 انشق خلوق مُفتيلار.

وفي 25/6/1997 انشق حسان دنيز كوردو.

وفي 27/6/1997 انشق عن الحزب كل من: قُوبيلاي أويغُون، واسماعيل كوسه، وأركان قيمال أوغلي، وتكين اينرم.

وفي 28/6/1997 انشق عن الحزب نائب من لواء اسكندرون اسمه علي أويار، ونائب من ازمير اسمه طورهان أرنيتش.

وبعد هذه الانشقاقات أصبح عدد نواب حزب الطريق الصحيح في البرلمان 107 نواب.

وفي 29/6/1997 غادر حزب تشيلر ثلاثة نواب، منهم النائب ايفرين بولوط من أدرنة ( التحق بحزب يلماز )، كما انشق وزير السياحة السابق بهاء الدين يوجيل الذي استقال من الوزارة في 13/6/1997، ثم انشق نائب آخر من قونية اسمه علي كون آيدن.

فهبط عدد مقاعد الطريق الصحيح الى 104.

وانخفض بذلك عدد المعلنين عن رفضهم لوزارة يلماظ الى 269 نائباً.

وفي ختام حزيران ( 30/6/1997 ) انشق نائب آخر هو نوري يابوظ نائب أفيون وقره حصار.

ومع كل ذلك فما زال وضع الوزارة في مهب رياح البرلمان التركي.

الحكومة 55 التي دمرت الاقتصاد التركي

وقعت بروتوكول »الحكومة 55« ثلاثة أحزاب علمانية هي حزب الوطن الأم، وحزب اليسار الديموقراطي، وحزب تركيا الديموقراطية برئاسة حسام الدين جندروك.

وبموجب البروتوكول حصل حزب الوطن الأم على 21 مقعداً وزارياً بما فيها رئاسة الوزراء لمسعود يلماز،

وحصل حزب اليسار الديموقراطي على 11 مقعداً وزارياً بما فيها مقعد نائب رئس مجلس الوزراء لبولند أجاويد،

وحصل حزب تركيا الديموقراطية على خمسة مقاعد بما فيها مقعد نائب لرئيس مجلس الوزراء احتله عصمت شركين وليس رئيس حزبه جندروك،

ومُنح مقعد وزاري واحد لنائب مستقل هو ياليم ايريز.

وامتازت الوزارة الجديدة برفع عدد وزراء الدولة لارضاء الموالين ووافق عليها ديميريل وبقي ان تنال ثقة البرلمان.

يرجح مهندسو هذه الوزارة المتناقضة الحصول على 279 صوتاً في البرلمان، ومعارضة 268 صوتاً.

ويروجون ان نواب حزب يلماز سيمنحون الثقة وعددهم حالياً ( أول تموز 1997م ) 132 نائباً،

وحزب أجاويد 67 نائباً،

وحزب جندروك 12 نائباً،

وحزب حركة الملة القومية نائبان،

و17 نائباً من المستقلين،

و49 نائباً من حزب الشعب الجمهوري بزعامة دنيز بايقال.

والسؤال هو: هل محاصيل البيادر ستطابق حسابات الحقول؟

الساحة مفتوحة على احتمالات مختلفة منها:

 أولاً، توجد مجموعة شريفة محترمة في حزب يلماز لن توافق على الغاء المدارس الشرعية. ولهذا لا يستبعد غياب بعض نواب حزبه عن جلسة التصويت في البرلمان.

ثانياً، لم يعلن حتى الآن برنامج الحكومة وانما سيعلن أمام البرلمان في 7/7/1997،

وسيكون التصويت في 12/7/1997.

لذلك فإن أصوات المعارضين والمؤيدين عرضة للاختلال.

ثالثاً، يشترط دنيز بايقال اجراء انتخابات مبكرة خلال ثلاثة أشهر لتقديم دعمه وهذا غير وارد عند يلماز وأجاويد لانهما سيفلسان في الانتخابات المقبلة، ولا يستبعد تخلي بايقال عنهما لأنه لم يحقق مناصب وزارية.

كما لا يستبعد اتفاقه مع تشيلر والرفاه من اجل اتخاذ قرار برلماني باجراء الانتخابات العاجلة. ولا سيما ان وزير المال عبداللطيف شنار صرح ان المبالغ اللازمة لاجراء الانتخابات رصدت وهي متوافرة في الخزينة.

رابعاً، يراهن يلماز على كسب 17 صوتاً من المستقلين.

وهذا تفاؤل ليس في محله لأن المستقلين غير ملتزمين بأحد وربما لن ينال سوى صوت المستقل الذي استوزره.

هكذا تبقى الأبواب مفتوحة أمام المتغيرات وستلعب الرشاوى دورها الى جانب ابتزازات العسكر في تغيير موازين الأصوات البرلمانية والخاسر الوحيد هو المواطن التركي البريء.

ملاحظة: تحققت معظم تلك التوقعات، ولكن المخابرات فرضت ما أرادت بالترغيب والترهيب في ظل الديموقراطية العلماني الهشة.
********
21765 ( الحياة )...........عام ( العنوان: الصراع مع أربكان على المسرح السياسي التركي  )
*************


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14649485
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة