“العنوان: » كتاب الايضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة المؤلف : محيي الدين يوسف بن عبدالرحمن بن الجوزي المحقق : محمود السيد الدغيم الناشر : مكتبة مدبولي /القاهرة / 1995 .مخطوط في ضاع سبعة قرون وأعيدت طباعته “١ من ٢” “ “الكاتب: وليد نوهيض “ “ت.م: 10/03/1995 “ “ت.هـ: 09/10/1415“العدد: 11706 “ “الصفحة: 21 “  الكتاب

في القرن الثالث عشر الميلادي تعرض العالم الاسلامي الى هزة سياسية / حضارية افقدته توازنه التاريخي لفترة طويلة من الزمن.آنذاك كان مركز الخلافة في بغداد يعاني من انقسامات داخلية وخلافات مذهبية الى التفكك الاداري والتراجع الاقتصادي، وكلها أدت الى اضعاف وحدة الدولة وازدياد مخاطر الانهيار العام نظراً لتعدد مراكز الخلافة ونهوض دويلات في الاطراف تضغط باتجاه زعزعة المشترك الاسلامي بين العوالم العربية والتركية والفارسية. الى ذلك كانت حروب الفرنجة في مصر والمشرق العربي على نهايتها وهي ساهمت في انهاك الأمة واستنزاف قواها بعد معارك دامت قرابة ٠٠٢ سنة.في تلك اللحظة العصيبة اقتحم التتار “المغول” بغداد في العام ٨٥٢١م فاستبيحت الحرمات وهدمت المساجد والمراكز العلمية والثقافية وانتهكت الاعراض ونهبت الثروات وبلغ عدد قتلى الهجوم ما يقارب ألف ألف شهيد “مليون قتيل” وهو رقم مخيف في كل المقاييس الزمنية.ومن بين شهداء هجمة المغول على بغداد صاحب »كتاب الايضاح لقوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة« الشيخ الشهيد محي الدين يوسف بن عبدالرحمن بن الجوزي الذي سقط وعائلته دفاعاً عن مركز الخلافة. لم تقتصر اضرار هجوم هولاكو على الحجر والبشر بل طالت ذاكرة الأمة من مكتبات ومتاحف وشواهد واضرحة ومقدسات، وكل ما تحويه من كتب ووثائق وكراريس واراشيف “اراجيف” ومستندات ومعارف وترجمات وموسوعات.فبغداد آنذاك لم تكن مركز الخلافة فقط بل كانت حاضرة العالم تتجمع فيها كل العلوم والاكتشافات والفنون وتتكدس في صحون قصورها ومساجدها ومكتباتها ومتاحفها كل المعارف الكونية من ثقافة وفلسفة وفكر وفن وطب ورياضيات واكتشافات واختراعات وغيرها وغيرها مما هب ودب من حضارات الشعوب ونتاجاتهم. كانت الضربة مؤلمة ليس للعالم الاسلامي فقط بل للعالم بأسره.فالمأساة انسانية بقدر ما كانت اسلامية.واحتاج العالم الاسلامي الى فترة زمنية طويلة للنهوض من الضربة وتجميع اشلاء الأمة المحطمة واستعادة زمام المبادرة مرة أخرى.فالضربة كانت موجعة الى درجة كان من الصعب اعادة وصل ما انقطع بين ماضي الأمة وحاضرها اذ ضاع الكثير من الوثائق وكنوز المعرفة والعلم.والكثير من ذاك الكم الذي تكدس بجهود بشرية مضنية استغرق لا أقل من سبعة قرون “من السابع الميلادي الى الثالث عشر” لتجميعه ما زال مفقوداً او مبعثراً في مكتبات العالم ومتاحفها واراشيفها. ومن بين تلك الجواهر والدرر المفقودة كتاب صاحبنا حول »قوانين الاصطلاح في الجدل والمناظرة« الذي ضاع أكثر من سبعة قرون حتى اكتشفه الزميل محمود السيد الدغيم مصادفة واشتغل عليه لمدة سنة كاملة واخرجه مرة ثانية من الظلمة الى النور.وأهمية الكتاب ليست في فقراته وقدراته اللغوية والجدلية والفقهية بل في دلالاته واشاراته التي تؤكد على مدى التطور الاجتماعي والثقافي الذي كانت بلغته بغداد في القرن الثالث عشر.وعلى رغم ان مركز الخلافة كان يعاني آنذاك من ضعف وانقسام وتراجع وتفكك، فقد حافظ المجتمع على تطوره الذهني / العقلي اذ كان قد بلغ مرحلة من التقدم يصعب كسرها من دون اجتياح خارجي يقتلع الذاكرة من جذورها.وهذا ما حصل اذ ساعدت العوامل الخارجية في تسريع حال التآكل الذي ضرب اطراف الدولة ونفوذها العام. كيف وقع الزميل الدغيم على الكنز؟ يقول المحقق »اكتشفت هذه النسخة بعد جهود مضنية اثناء بحثي عن نسخ الكتاب، لأن هذه النسخة كانت مجهولة الاسم والمؤلف، حيث ورد اسمها في فهرس مكتبة فيض الله افندي »المختصر في علم النظر« وذكر ان مؤلفها هو »محيي الدين جمال الاسلام ابو محمد« كما ذكر ان تاريخ تأليفها يوم الثلثاء العاشر من ربيع الأول سنة 634هـ مما زاد في ابهام النسخة، غير اني تفاجأت عندما كنت اتصفح كتب المكتبة عامة اذ اتضح لي ان هذه النسخة المجهولة هي احدى نسخ كتاب الايضاح لقوانين الاصلاح« و»اعتمدت في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ خطية هي: نسخة مكتبة “فيض الله افندي” التي تضمها مكتبة »ملت« في اسطنبول، ونسخة مكتبة “لا له لي” التي تضمها مكتبة السليمانية في اسطنبول، ونسخة خاصة، توجد منها صورة طبق الأصل “فوتوكوبي” في مكتبة السليمانية«. من هو ابن الجوزي؟ عاش محيي الدين بن الجوزي ما بين 580 / 656 هـ “1183 / 1258م” وعاصر اربعة من الخلفاء العباسيين وهم: الناصر لدين الله “احمد بن المستضيء” ولد سنة 553 وتوفي 622 هـ، الظاهر بأمر الله “محمد بن الناصر” ولد سنة 571 وتوفي 623 هـ، المستنصر بالله “المنصور بن الظاهر” ولد 588 وتوفي 640هـ، والمستعصم بالله “عبدالله بن المستنصر” ولد 609هـ واستشهد على يد التتار سنة 656هـ “1258م”.وكانت حروب المغول بدأت في 1226م وانتهت بسقوط بغداد وجاء سقوط عاصمة الخلافة بعد أربع سنوات من فشل آخر حملة صليبية على المشرق ومصر “الحملة السابعة” في العام 1254م. اجمع المؤرخون والمترجمون على ان نسب ابن الجوزي يعود الى الخليفة أبو بكر الصديق “رضي الله عنه” وقالوا عنه: القرشي، التيمي، البكري.ولد في بغداد واستشهد فيها، فهو: جوزي بغدادي.ويرجح ان آل الجوزي تنقلوا بين واسط والبصرة واستقروا في بغداد.والده هو ابو الفرج عبدالرحمن بن علي المشهور بابن الجوزي توفي 597هـ في بغداد »وكان علامة عصره وشيخ وقته في التاريخ والحديث والوعظ والتفسير، وله مئات المؤلفات«.ويذكر ابن تيمية »ان له مصنفات في امور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها اكثر من الف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره«. تتلمذ صاحبنا على يد والده وكبار رجال العلم والفقه والحديث في عصره وتتلمذ على يديه العشرات ما »لا يمكن حصره« وعندما »فتحت المستنصرية تم تعيينه مدرساً للحنابلة، وعيّن ابنه عبدالرحمن نائباً له«.ودرَّس في المستنصرية منذ افتتاحها سنة 631 هـ “1233م” لغاية 642 هـ “1244م” اي حوالى عشر سنوات.وكان »يكلفه الخليفة اثناء ذلك لتبليغ مراسلاته الى الملوك والسلاطين في العواصم الاسلامية«.وقضى حياته »بين التدريس والحسبة والسفارة، وانشأ المدرسة الجوزية في دمشق، وانشأ في بغداد في محلة الحلبة مدرسة لم تتم وفي محلة الحربية دار قرآن ومدفناً«. ألف صاحبنا كتابه حول »قوانين الاصطلاح« لتعليم تلامذته اصول المناظرة والجدل في مدرسة المستنصرية ولم يبلغ بعد الـ 47 من عمره.والهدف من الكتاب كما يقول »املاء مختصر في علم النظر، يوضح قواعده ويبيّن فوائده، وينظم في سلك التحقيق فرائده«.لذلك اتسم بالصراحة المنهجية والدقة العلمية لأن تلامذته هم اشبه بطلاب كلية الحقوق في عصرنا وبعد تخرجهم سيتولون مسؤولية القضاء واستخراج الاحكام الشرعية واستنباطها من الشرع للفصل في الخلافات.وسيلاحظ القارئ صعوبة في فهم الكتاب نظراً للقدرة الهائلة على التجريد النظري “الذهني” التي كان يتمتع بها ابن الجوزي.الى ذلك يكشف الكتاب مستوى التطور العلمي الذي كانت بلغته عاصمة الخلافة آنذاك الى درجة يصعب علينا نحن فهم قوانين الاصطلاح في عصرنا بينما كما يبدو كانت من الشؤون العادية في زمن مضى عليه سبعة قرون. قسم صاحبنا كتابه التدريسي الى فصول واختار »عشرين دليلاً في عشرين مسألة« وقرر »كل دليل تقريراً يليق بالمسألة التي تمسك به فيها« وانتهى المختصر »جدلاً وأصول فقه وطريقة«. وعلى رغم محاولة ابن الجوزي تبسيط المسائل وشرحها لتلامذته سنلاحظ صعوبة في التقاط بعض جوانبها العقلية والنصية الأمر الذي يشير الى ما سبق ذكره، وهو ان الفكر هو دلالة من دلالات التقدم الاجتماعي الذي وصلته بغداد حتى قبل سنوات قليلة من سقوطها العسكري.وأقدم هنا فقرات مختارة عشوائياً لتأكيد مسألة التقدم المنهجي في البحث والجدل الذي وصلته برامج التربية والتعليم في بغداد في النصف الأول من القرن الثالث عشر.يقول المؤلف »ان يبين المقتضي بالفعل، والمانع بالفعل، تضاداً ذاتياً، وشرط طريان “جريان” أحد الضدين: انتفاء الآخر، ولا يجوز ان يستند انتفاؤه إلى الضد الطارئ، فإنه يفضي إلى الدور، فيجب تقدير خروج الأول عن كونه مقتضياً، بأمر آخر، غير طريان الضد، وما هو كذلك، فليس علة اجماعاً« “ص ١٣٣”. »قلنا: هذا لا يدل، لأن الشيء قد يكون له أشياء ملازمة، ويكون لها احكام تخصها، فإذا زال، زالت تلك الأمور، فزالت احكامها، ولم يلزم من ذلك أن تكون احكامها التي تخص احكاماً له، حيث تعقب زوالها زواله، بواسطة زوال ملازماته التي هذه احكام لها« “ص ٥٨٣”. »نقول: ما دلت المقدمتان على محل النزاع مطابقة، ولا تضمنا، بل دلت عليه بطريق الملازمة، وذلك شرط في كل دليل، إذ لولا علاقة، بين الدليل والمدلول عليه، لما صح الاستنتاج “...” والمحذور ان يكون محل النزاع داخلاً في الدليل مطابقة.ودلالة التضمين: تغاير دلالة المطابقة، ولولا التغاير لاتحدتا، وإذا تغايرتا كان الدليل غير المدلول، كما ان العلة غير المعلول« “ص ٩٩٣ / ٠٠٤”. »قلنا: هو أيضاً، محال، لأن النقيض ان امتنع فهو: الضرورة، وان لم يمتنع: صح عليه الوجود تارة، والعدم أخرى، لحصول احدهما بدلاً عن الآخر.فإن توقف على انضمام قيد إليه، لم يكن الحاصل قبله كافياً في الأولوية، وإن لم يتوقف، كان نسبة ذلك القدر / من الأولوية / إلى طرفي الوجود والعدم، على السوية، فترجح أحدهما على الآخر / لا لمرجح زائد / ترجيح لأحد طرفي الممكن، لا لمرجح« “ص ٠٣٤”. لعل هذه النماذج كافية قبل استعراض الكتاب وقراءة نصوصه على قدر الامكان والفهم.وهي نصوص كان من الصعب ادراكها لولا الجهد الذي بذله الزميل الدغيم في شرح المتن في هوامش المخطوط إلى درجة احتلت التعليقات والتوضيحات أكثر من ٠٦ في المئة من الكتاب. يقسم ابن الجوزي كتابه إلى خمسة أبواب: في بيان الحاجة إلى علم الجدل، في توطيد قواعد المناظرة، في أقسام الادلة وبيان احكامها، في الاعتراضات وكيفية الجواب عنها، في الترجيحات وما يتعلق بها. ويتضح من أبواب الكتاب أن صاحبه وضعه أصلاً للتدريس والتعليم فهو لا يكتفي بالمناظرة بل يشرح اصولها وقواعدها واسلوبها.يبدأ أولاً بالتعريف فيرى ان الجدل علم لا غنى عنه لأن به »يتبين صحة الدليل من فساده / تحريراً وتقريراً / وتتضح الأسئلة الواردة / من المردودة / اجمالاً وتفصيلاً« ولولاه »لاشتبه التحقيق في المناظرة بالمكابرة« لأن المراسم الجدلية »تفصل بين الحق والباطل، وتميز المستقيم من السقيم«.ويؤكد ان الجدل قديم وهو اشتق من »جدلت الحبل« وله معنيان: ان تفتل خصمك إلى موافقتك بتوجيه ادلتك وابطال شبهه، ولكونه محكماً للادلة والأسئلة والاجوبة بقوانينه المعتبرة.فهو فن من جهة وعلم من جهة أخرى. بعد التقديم والتعريف يبدأ صاحبنا بفصل عن استخدام الجدل في الفقه لأن وظيفة الفقيه »طلب الوقوف على حقائق الادلة وأوضاعها التي هي مباني قواعد الشرع« وهو ما يعرف بـ »اصول الفقه« وله طرفان: اثبات الادلة على الشرائط الواجبة لها، وتحرير وجه الاستدلال بها على وجه الصحة والاحتياط عن مكامن الزلل وعثرات الوهم عند تعارض الاحتمالات في التفاريع.ويشير صاحبنا إلى ان الجانب الثاني من اصول الفقه »هو العلم الموسوم بالجدل«.ويوضح الالتباس الذي حصل عند تصنيف »هذا الفن« إذ اقتصروا “المصنفون” في ذكر »الادلة على نظم تحريراتها دون تقديراتها«.ويؤكد على أهمية تقرير الدليل و»تركيب خصوص الأمور الفقهية على عموم الأسئلة الجدلية«. بعد هذا التوضيح في أسباب شروعه في تأليف الكتاب وأهدافه منه يبدأ صاحبنا في تحديد معاني الألفاظ المتداولة في علم الجدل وأصول الفقه ويسميها »الالفاظ المشتهرة بين الفقهاء«.فالمصطلحات ضرورية لفهم العلم ومعانيه لأن »لأرباب كل صناعة الفاظاً يتداولونها« في محاوراتهم و»لا يقف غيرهم على موضوعها إلا بتوقيف منهم«.ويبدأ صاحبنا بتحديد المصطلحات “المفردات” ومصادرها واشتقاقاتها ومدلولاتها ومعانيها اللغوية واللفظية والشرعية، فيدخلنا إلى عالم اللغة وخصوصياتها وبنيانها وأبعادها، ويحدد أكثر من ٠٨ كلمة “مفرد أو مصطلح” لازمة لكل قارئ لفهم اصول علم الاصول واصول الفقه وجدله.ثم يعددها واحدة واحدة ويشرح كل كلمة ولفظها حتى يستطيع المستمع / التلميذ فهم تراكيب الجمل ومعانيها من خلال مفرداتها ومصطلحاتها التي هي أشبه بالمفاتيح الفلسفية لقراءة النص وتفكيكه وتحليله وتأكيد قواعده ومصادره الشرعية. 25818 “الحياة”...........عام “العنوان: » كتاب الايضاح لقوانين الاصطلاح « لصاحبه ابن الجوزي .مخطوط 


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16109048
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة