العنوان: الصراع الروسي الأوكراني على شبه جزيرة القرم. خمسون عاماً على التهجير الأخير لسكانها المسلمين) (الكاتب:محمود السيد الدغيم) (ت .م:31-07-1994) (ت .هـ:23-02-1415) (الحياة: العدد:11487) (الصفحة:7)

crimea11.JPG

 

 

ذكرت وكالة (انترفاكس - أوكرانيا، نقلاً عن نائب وزير الدفاع الأوكراني إيفان بيجان انه تمّ حلّ وحدة أوديسا - جنوب أوكرانيا - التابعة لأسطول البحر الأسود، وضُمّت الى الجيش الأوكراني . وذكرت الوكالة في ٤١-٤-٤٩٩١م نبأ فشل المفاوضات الروسية الأوكرانية الرامية الى حل أزمة اسطول البحر الأسود بين الوفد الروسي برئاسة الأميرال فيليكس غروموف قائد البحرية الروسية، والوفد الأوكراني برئاسة الجنرال أناتولي لوباتا رئيس أركان القوات المسلحة الأوكرانية . وقد جرت المفاوضات في يومي ٢١ و٣١ نيسان (ابريل، ٤٩٩١م بعد صدامات عديدة بين الروس والأوكرانيين في الآونة الأخيرة أثارها الاختلاف حول مسألة الاستيلاء على أسطول البحر الأسود الذي تتمركز قيادته في ميناء سيفا ستوبول الواقع على شاطئ شبه جزيرة القرم المحتلة، حيث يسيطر الروس على ميناء سيفاستوبول، ويسيطر الأوكرانيون على شبه جزيرة القرم . ويضم اسطول البحر الأسود (٠٠٣، قطعة بحرية من ضمنها (٥١، غواصة . تخضع نظرياً لقيادة روسية - أوكرانية مشتركة، وجرت مفاوضات بين الدولتين عقب تصدع الاتحاد السوفياتي المنهار . وقد وقّع الطرفان على بروتوكول حُسن النوايا في »يالطا القرمية« في آب (اغسطس، ٢٩٩١م، الذي نصّ على أن تتقاسم روسيا وأوكرانيا الأسطول في مدة أقصاها سنة ٥٩٩١م« ثم حنث الطرفان بالعهد، فدارت مفاوضات اخرى اسفرت عن توقيع بروتوكول آخر بين رئيسي البلدين بوريس يلتسن، وليونيد كرافتشوك في »ماساندرا« وذلك في ايلول (سبتمبر، ٣٩٩١م تضمن اعلان اوكرانيا عن استعدادها للتنازل عن حصتها من الاسطول لروسيا لقاء اعفائها من الديون الروسية، ثم تفاقمت الأزمة في ٨ نيسان (ابريل، ٤٩٩١م وذلك بعدما غادرت قاعدة أوديسا الى ميناء سيفاستوبول القرمي سفينة تنقل معدات اتصال بحرية تُقدّر قيمتها بعشرة ملايين دولار، وبعد هرب تلك السفينة استولى الأوكرانيون على قطع الاسطول الموجودة في أوديسا فوصف سيرغي لافرون نائب وزير الخارجية الروسي ما قامت به أوكرانيا بأنه »عارٌ« ورد عليه سفير أوكرانيا في موسكو فلاديمير كريجينيفسكي بالقول:ان كييف تدعو الى حلّ مترابط يُراعي اتفاقات سابقة كانت تنصُّ على تقسيم الاسطول مناصفةً ووضعه تحت قيادة مشتركة، وأضاف ان بلاده تريد أن تكون سيدة في أراضيها . وأوضح »ان ميناء اوديسا الذي وقع فيه الحادث الأخير ليس جزءاً من شبه جزيرة القرم المشمولة باتفاقات اقتسام، او اعادة قواعد الاسطول«، وأردف:نحن نتابع بهدوء وجود الاسطولين الروسي والتركي - في مياه البحر الأسود - ثم وقع الرئيسان الأوكراني والروسي في موسكو في ٥١-٤-٤٩٩١م على اتفاق توصلا اليه على هامش مؤتمر قمة الدول الاعضاء في رابطة الدول المستقلة (كومنولث، يقضي بتقاسم اسطول البحر الأسود . لكن وزير الدفاع الأوكراني فيتالي راديتسكي أعلن في مؤتمر صحافي في موسكو ان الاتفاق الجديد يُخوّل أوكرانيا استخدام ما بين ٥١ و٠٢ في المئة من قطع الاسطول الثلاثمئة، وتأجير الباقي لروسيا، لأن أوكرانيا لا تحتاج الى نصف قطع الاسطول .  وأوضح الناطق الرسمي باسم الرئيس يلتسن فياتشيسلاف كوستيكوف انه ستكون هنالك قاعدة مستقلة لكل من الطرفين الأوكراني والروسي، غير ان وزير الدفاع الأوكراني أفاد في وقت لاحق ان بلاده »تريد تأجير قاعدة سيفاستوبول البحرية الى روسيا، والاحتفاظ لنفسها بقاعدة أوديسا، واسماعيلي« وطرحت موسكو خطة مغايرة تقضي بتمليكها بين ٠٨ و٥٨ في المئة من الاسطول . وبعد عشرة أيام من المباحثات بين الطرفين - عقب توقيع الرئيسين في موسكو - انهارت المحادثات، لأن روسيا طالبت بالابقاء على القاعدة الرئيسية للأسطول في سيفاستوبول، مع استخدام أربع قواعد أخرى في شبه جزيرة القرم هي:بالاكلافا، وفيودوزيا، وكيرتش، ودونوزلاف . كما رفضت روسيا السماح للأوكرانيين بالاحتفاظ بقاعدة بحرية للسفن الأوكرانية في قاعدة سيفاستوبول، وازدادت الأزمة حدة عندما دعا وزير الدفاع الأوكراني فيتالي راديتسكي للاحتكام الى طرف ثالث هو (رائدة النظام العالمي الجديد الولايات المتحدة، مما أثار ردود فعل عنيفة في موسكو التي ردّت على التحدي الأوكراني بالايعاز الى الأكثرية الروسية (٥٧ في المئة، التي تحتل شبه جزيرة القرم لتتصدى لأوكرانيا بطريقة ديموقراطية بالظاهر اما في الباطن فَعَصَبُها الأساسي جيش روسي عاطل عن العمل، ولا مانع عنده من الشغل بالأشقاء أو الأصدقاء، أو الجيران . ما خيّب الروس المقيمون على أراضي مسلمي القرم آمال دولتهم الأم روسيا القيصرية الجديدة، حيث عقد برلمان القرم المحتلة اجتماعاً يوم الجمعة ٠٢-٥-٤٩٩١م الموافق ٠١-٢١-٤١٤١هـ، وأسفر الاجتماع عن قرار العودة الى دستور ٢٩٩١م وإقرار قانون يعتبر تمهيداً للانفصال عن أوكرانيا حيث تضمن قانون التعديلات الدستورية »الروسية« الذي ينص على »أن العلاقات مع أوكرانيا تقوم على أساس معاهدات، ويمنح سكان شبه جزيرة القرم حق ازدواج الجنسية الروسية والأوكرانية« . وقد سيطر الروس على شبه الجزيرة بعدما سيطروا على برلمان القرم وانتخبوا زعيمهم يوري ميشكوف رئيساً لهذه الجمهورية التي تتمتع بالحكم الذاتي . لم تقف أوكرانيا مكتوفة الأيدي ازاء التحدي »الديموقراطي على الطريقة الروسية« بل قال رئيسها السابق ليونيد كرافتشوك:»اننا سنرد بحزم للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا« وتطورت الازمة مع وصول قوات أوكرانية الى شبه جزيرة القرم، وأعلنت حالة الطوارئ في قاعدة أوديسا وتم تجهيز المستشفيات الميدانية، وقال الرئيس الأوكراني السابق:»لدينا ما يكفي من القوة لحماية دستور أوكرانيا، ووحدة اراضيها، والعواقب ستكون وخيمة على سكان القرم . والقيادة المحلية تتحمل المسؤولية« . وأعلن مستشار الرئيس الأوكراني السابق نيكولاي ميخالتشينكو يوم الجمعة ٠٢-٥-٤٩٩١م:»إن قرار برلمان القرم غير شرعي لأنه يعنـــي تحويل أوكرانيا الى اتحاد كونفيديرالي« وهذا أمر مرفوض من قبل القيادة الأوكرانية في كييف . استمرت حملات التصريحات والتصريحات المعارضة بين كييف وموسكو فقال يلتسن:»ان القرم جمهورية تتمتع بالسيادة ضمن أوكرانيا ولها حق تطبيق سياسة خاصة بها« . وقال وزير الدفاع الروسي بافل غراتشوف »ان حريقاً قد يشب قريباً اذا لم تتحقق تسوية سياسية« وأشار الى التحركات العسكرية الأوكرانية، ومن ضمنها الإنزال الجوي الأوكراني في مطار بيل بيك القريب من قاعدة سميفروبول، واستنفار (٠٠٠٠٦، عسكري أوكراني في القرم، وتجهيز المستشفيات العسكرية الميدانية، ووصول المدرعات الأوكرانية الى »سيمفروبول« عاصمة شبه جزيرة القرم . وعلق على أزمة القرم نائب رئيس الوزراء الروسي سيرغي شاخراي، قائلاً »انهــا يمـــكن ان تتحـــول الى قـــره باخ أو البوسنة« . بعدما تطورت أزمة القرم وأنذرت بالانفجار اجتمع رئيسا حكومتي روسيا وأوكرانيا في موسكو يوم الاثنين ٣٢-٥-٤٩٩١م، ووافقت روسيا على عرض المشكلة على الأمم المتحدة . وفي اطار الأزمة اجتمع وزير الخارجية الروسي أندريه كوزيريف مع وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد في مدينة مورمانسك وصرح كوزيريف بعد الاجتماع:ان بلاده لا تمانع في صدور بيان عن المنظمة الدولية يطالب بتسوية المشكلة سلمياً . ثم انتقل الوزيران الى موسكو فاجتمعوا بالرئيس يلتسن، وبعد ذلك غادر هيرد موسكو الى كييف حيث اجتمع بالرئيس الأوكراني كرافتشوك . وأعلن هيرد:ان مشكلة القرم هي المحور الأساسي لمباحثاته . وقال »ان المفاوضات بين القرم وأوكرانيا ينبغي ان تتم بحضور الروس القادرين على تحقيق تفاهم بين الطرفين« .  وعلق على الأزمة الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسي غريغوري كاراسين قائلاً »ان موسكو تشعر بالقلق من احتمال التوتر في علاقاتها مع كييف بسبب القرم« وأضاف:ان روسيا تعترف بثبات الحدود القائمة لكنها مهتمة أيضاً (باحترام ارادة الشعوب، مشيراً بذلك الى مطالبة برلمان القرم بالاستقلال والعلاقات الفيديرالية مع روسيا . وكان رد الفعل الأميركي على الأزمة هو تأييد وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا في حدودها الحالية . الى جانب النشاط السياسي والعسكري الملازم للأزمة بين روسيا وأوكرانيا ظهر نشاط محلي في شبه جزيرة القرم أسفر عن ظهور متواضع لسكان شبه جزيرة القرم الأصليين المسلمين حيث أيد مسلمو الجزيرة التتار الرئيس الأوكراني السابق كرافتشوك لأنه أيّد قيام كيان مستقل لتتار القرم الذين يتزعمهم مصطفى جميلوف . وعلى صعيد آخر تشكلت في ٢٢-٥-٤٩٩١م »الجبهة الشعبية« التي اتخذت لنفسها اسم »سيفاستوبول - الأسطول - روسيا« وهذه الجبهة تضم ممثلي وأنصار الحزب الروسي، والجمعية الوطنية الروسية، وسلاف القرم، وعصبة النساء، وحركة عموم القرم المؤيدة لإعلان الجمهورية .  وهكذا تتضح صورة الانقسامات الداخلية في شبه جزيرة القرم، وهي انقسامات مدعومة من موسكو أو كييف مما ينذر بحرب أهلية مدعومة من الخارج على غرار الحروب الأهلية التي تأكل الأخضر واليابس في العديد من النقاط الســاخنة في مرحــلة ما بــعد الحرب الباردة . من ناحية اخرى سلّط أندريه خراتشوف (المتحدث الرسمي للرئيس غورباتشوف سنة ١٩٩١م، الأضواء على أزمة القرم، وعزا خراتشوف أسباب توتر الموقف في القرم الى ما حصل في بيلوف جسكايا بونثا التي شهدت الاتفاق الثلاثي بين روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء في ٨-٢١-١٩٩١م، وضمن اعطاء موسكو قصر الكرملين، وإعطاء كييف شبه جزيرة القرم، لكن سير الأحداث أثبت ان روسيا لا تستغني عن القرم التي اصبحت ورقة رابحة في أيدي قادة الأحزاب المتصارعين على السلطة في كل من روسيا وأوكرانيا . وهنا تجدر الاشارة الى ان الروسي المتعصب المتطرف فلاديمير جيرينوفسكي لا يعترف بالحدود الدولية الحالية وينكر وجود أوكرانيا ودول الكومنولث، بل يرى ان حدود روسيا الجنوبية هي العراق وسورية والبحر الأبيض المتوسط . وآراء جيرينوفسكي الفاسدة هي امتداد لأحلام دعاة القيصرية الروسية الجديدة المتمثلة بالعدوان على الجيران . وفي ٥١-٦-٤٩٩١م أُعلن عن تأسيس منظمة »الإتحاد« في مدينة سيفاستوبول، ويقال:انها منظمة اجتماعية سياسية يرأسها إيفاني برماكوف الذي كان يشغل سابقاً منصب عمدة مدينة سيفاستوبول . وصرح رئيس المنظمة ان هدف المنظمة هو العمل على انشاء اتحاد كونفيديرالي بين الجمهوريات السلافية الثلاث، روسيا، وروسيا البيضاء، وأوكرانيا، لكن الهدف الخاص لهذه المنظمة هو الاتحاد بين القرم وروسيا، والأهداف العامة المعلنة ما هي الا للاستهلاك الاعلامي والتضليل . وتبقى شبه جزيرة القرم وسكانها المسلمون في عداد الضحايا في ظل ضعفهم من جهة وضعف العالم الاسلامي من جهة ثانية، وتبقى الأكثرية الساحقة من مسلمي القرم في المنفى القسري في صقاع سيبيريا، وأوزبكستان وأقطـــار ما كان يسمى »الاتحاد السوفياتي« المنهار . ان أقلّ ما تقتضيه روابط الأخوة الاسلامية، والروابط الانسانية هو الاهتمام بقضية السكان الأصليين لشبه جزيرة القرم الذين عانوا من أسوأ أصناف الابادة والنفي والقهر على أيدي قوات الاحتلال الروسية والأوكرانية، ولا فارق بين سلطات العصور المتتابعة حيث تعرّض مسلمو القرم للقمع على أيدي الامبراطورية الروسية القيصرية، ثم قمعهم الشيوعيون بعد انقلاب ٧١٩١م، وشردوهم، ولم يُسمح للمسلمين المنفيين بحق العودة الى القرم بعد سقوط الاتحاد الســـوفياتي فالعــدو هو العدو والمأساة هي المأساة


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14649485
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة