مأساة مخطوطات العراق ما بين دار صدام والغزاة واللصوص . لندن- الدكتور محمود السيد الدغيم . ملاحظة: نشر هذا البحث في مجلة الوسط – ملحق جريدة الحياة بلندن

http://www.dr-mahmoud.com/images/stories/Saddam.JPG


 

مأساة مخطوطات العراق ما بين دار صدام والغزاة واللصوص
لندن- الدكتور محمود السيد الدغيم

ملاحظة: نشر هذا البحث في مجلة الوسط – ملحق جريدة الحياة بلندن
 

عالم المخطوطات متنوع فيه العجائب والغرائب، وفيه الأفراح والمصائب، والمخطوطات تشمل كل ما خطّه الناس على جدران الكهوف، وعلى الصخور، و ما نقشوه بشكل نافرٍ أو غائرٍ على الألواح الحجرية والفخارية والطينية، أو ما كتبوه على جلود الغِزلان، والعظام وسعف النخيل والأخشاب والمعادن والزجاج والبردي والورق.

وأكثر المخطوطات العربية والإسلامية مكتوبة على الورق بأنواعه، وقد تعرضت هذه المخطوطات النفيسة لأعمال انتقامية أدت إلى إحراقها بالنار، أو إغراقها بالماء، أو دفنها بالتراب أو سرقتها.

تاريخ مآسي المخطوطات الإسلامية والعربية
ومن مآسي المخطوطات المشهورة حرق مليون مخطوطة أندلسية في ساحتي قُرطبة وغرناطة بأمر من فرديناندو وإيزابيلا، ومن مآسي إغراق المخطوطات ما فعله جيش هولاكو في بغداد سنة 656 هـ/ 1258م، ومن مآسي الإحراق والإغراق ماتعرضت له مكتبات طرابلس الشام على أيدي الفرنجة الذين حرقوا ما حرقوا وملؤوا نهر أبي علي بالمخطوطات، وتولى النهر مهمة جرفها إلى البحر الأبيض المتوسط.

أما عن الدفن في التراب فهذا ما كان يحصل لدى مسلمي الأندلس خشية وقوع المخطوطات الإسلامية بأيدي مخابرات محاكم التفتيش، وقد تكررت مأساة دفن الكتب في القرن العشرين في أكثر من بلد عربي تقدمي، ولكن مخطوطات مركز الاستشراق في سراييفو تعرض لنيران المدفعية الصربية شأنه في ذلك شأن مخطوطات المكتبة الوطنية في سراييفو، وقبل ذلك تعرضت مخطوطات البوسنة والهرسك للسرقة من قبل النمساويين أثناء الحرب العالمية الأولى، ومازالت في مكتبات العاصمة فيينا.

أما مأساة السرقة فقد لحقت بالكثير من المخطوطات في لبنان مع توالي الإحتلالات والحروب الأهلية، وجاء دور مخطوطات العراق لتتكالب عليها مآسي الإغراق جراء الحقد المذهبي، والإحراق بنيران الحرب الأنكلو – أميريكية، والسرقة من قبل الأفراد والتجار وعصاباتهم، وخبراء القوات الغازية.

المخطوطات المسروقة

ومسألة نهب المخطوطات ليست جديدة علينا فقد تكررت مما تسبب في توزيع مخطوطاتنا في مشارق الأرض ومغاربها، وتدلنا إحصائيات معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، أن ثلاثة ملايين مخطوطة نُقلتْ إلى مكتبات بريطانيا وتركيا وروسيا وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية التي استحوذت وحدها على خمسة عشر ألف مخطوطة متوزعة على المكتبات الأميركية، ومنها عشرة آلاف مخطوطة في مكتبة جامعة برنستن، وهذه الإحصائية قديمة، وقد نهبت مخطوطات أخرى بعد صدور هذه الإحصائية من الصومال ولبنان والبوسنة والهرسك وصربيا وكرواتيا وكوسوفو وإندونيسيا وأفغانستان والهند والعراق، والقائمة طويلة مما يثير الأحزان.

وفي قاعات ومستودعات المتحف البريطاني حالياً أكثر من 25 ألف رقيم تبحث في المدن والآداب والشؤون الأخرى، وهي منهوبة من خزانة الألواح الطينية التي أنشأها ملك العراق آشور بانيبال 669 ـ 626 ق.م، وقد نهبت لجان تنقيب الآثار التابعة لجامعة بنسلفانيا الأميركية ثمانين ألف لوح من ألواح مدينة نُفَر العراقية القديمة، وتمّت تلك الجريمة ما بين سنة 1890م وسنة 1898م، ويعود تاريخ تلك الألواح إلى الفترة الممتدة من سنة 2700 إلى سنة 2100 قبل الميلاد.

لصوص المخطوطات العالميين
وقائمة اللصوص طويلة تملأ المجلدات، والمعاهدة المتعلقة بالممتلكات التراثية لم توقع عليها سوى 97 دولة، ولم توقعها بريطانيا ولا الولايات المتحدة الأميركية، وكما يقول المثل: اللص لا يوقع قوانين مكافحة السرقة، بينما بلغ عدد الدول الموقعة على معاهدة الشرطة الدولية "الإنتربول" 181 دولة، ومازالت بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تشكل ملاذاً آمناً للقتلة واللصوص، ولا يطالهم القانون الدولي مما يسهل نهب تراث الشعوب الضعيفة وممتلكاتها.

مأساة المخطوطات العراقية

تعرضت المخطوطات العراقية للحرق والسرقة والتخريب خلال المئة سنة الأخيرة، و لاسيما منذ وصول حزب البعث العربي الإشتراكي إلى الحكم سنة 1963م، فمن المعلوم أن الحزب تقدميّ يُقاوم الرجعية وما تتكئ عليه من تراث ديني يتعارض مع الفكر القومي الإشتراكي حسبما ورد في أدبيات وتعاميم الحزب القائد، وعندما قام الانقلاب البعثي دُمرت مكتبات الذين كانوا يُسمون إقطاعاً ورجعيين، وجاءت حرب الخليج الأولى والثانية لتفتح المجال واسعاً أمام تدمير المخطوطات في إيران والكويت والعراق حيث تعرضت المدن للنيران مما أتاح للصوص السطو على المخطوطات، وتهريبها أو نقلها بصورة غير قانونية.

حرب اللصوص أم لصوص الحرب؟؟
وجاءت حرب "حرية العراق" فلم تحرره، ولكنها حررت اللصوص بكل أنواعهم، وكانت الضحية الكبرى تراث العراق، وفي مقدمته المخطوطات التي التهمتها النيران، أو نقلتها العربات المدرعة الغازية، أو لصوص البلد، والبلدان المجاورة، فاللصوص أمة واحدة ذات رسالة جاحدة.


دار صدام حسين للمخطوطات
الكارثة الكبرى خلال القرن العشرين هي تجميع المخطوطات من عدة مكتبات ووضعها في مكتبة واحدة، وهذا يتيح تدميرها دفعةً واحدة، وقد استشرت هذه العادة السيئة منذ قيام الجمهورية التركية سنة 1923م، حيث جُمعت مكتبات المدارس والمساجد، والمكتبات العامة والخاصة في مكتبات مركزية تحمل اسم الزعيم الجديد، وقد انتقلت تلك العادة إلى بقية الدول من يوغوسلافيا غرباً إلى إندونيسيا شرقاً مروراً بالدول العربية، وبرّر الفاعلون فعلهم بمبررات واهية، وتوالى وقوع الكوارث ليساهم في إلغاء هوية هذه البلاد التي عجزت القوات الغازية عن إلغائها.

وضمن سياق إنشاء المكتبات التي تكرس اسم الزعيم أسِّسَتْ في بغداد "دار صدام للمخطوطات" وذلك سنة 1988م، وتبعت لدائرة الآثار والتراث بوزارة الثقافة والإعلام العراقية، واعتبرت الدائرة المركزية المسؤولة عن المخطوطات في العراق، وكانت نواتها الأولى أكثر من 4 آلاف مخطوطة نادرة من مخطوطات مكتبة المتحف الوطني العراق التي تأسست سنة 1940م، ووصل عدد مخطوطات دار صدام إلى أكثر من خمسين ألف مخطوطة بعضها مسجل وبعضها في المستودعات.
وتفيد المعلومات المكتبية أن دار صدام قد فهرست 40214 مخطوطة موزعة على النحو التالي: 786 مخطوطة تركية عثمانية، 36461 مخطوطة عربية، 2757 مخطوطة فارسية، 210 مخطوطة كردية، وبذلك ضمت دار صدام أكبر مجموعة من المخطوطات في العراق، وفيها أثمن المخطوطات النادرة.

أهمية مخطوطات دار صدام
تم اختيار مخطوطات دار صدام من قبل خبراء المخطوطات في العراق، فشملت المخطوطات القديمة التي تعتبر وثائق دينية مثل صفحات القرآن الكريم المكتوبة على رِقِّ الغزال بالخط الكوفي ويعود تاريخها إلى القرن الأول الهجري، ويقال أنها منذ عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، وتنسب سبعة رُقوق منها إلى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

وأقدم مخطوطة تحمل تاريخ نسخها هي رسالة أحمد بن الواثق إلى محمد بن يزيد التمالي النحوي يسأله عن أفضل البلاغتين، وهي بخط الخطاط المشهور أبو الحسن علي بن هلال بن عبد العزيز، المعروف بابن البواب البغدادي؛ الذي وُلد في حدود سنة (350هـ = 961م) وتوفي في (2 من جمادى الأولى 413هـ = 3 من أغسطس 1022م)، ومدح الشاعر ابن الرومي جمال خطه فقال:

ولاح هلالٌ مثل نونٍ أجادها
بجاري النُّضارِ الكاتبُ ابنُ هلالِ


وضمّت دار صدام للمخطوطات نسخةً مخطوطة من معجم المُجمل في اللغة لابن فارس، وقد كتبت سنة 446هـ/ 1054م، ونسخة من كتاب نخبة الفكر في علاج أمراض البصر، لأحمد بن عثمان القيسي المتوفى سنة 657هـ/1259م، ومخطوطة الاقتصار على جواهر السلك في الانتصار لابن سناء الملك، تأليف خليل بن أيبك الصفدي، الذي انتصر لابن سناء الملك، وردّ فيه على صفي الحلي وما قاله في كتابه السائل الحالي والمرخص الغالي، وردّ فيه أيضاً على ابن جبارة وما جاء في كتابه نظم الدر في نقد الشعر.

وكانت في الدار مخطوطات لا تقدّر بثمن، ولا نبالغ لو قلنا أنها تساوي مليارات المليارات، والدليل هو التالي: بيعت مخطوطة السيمفونية التاسعة لبيتهوفن بمبلغ مليونين وثمانمئة ألف دولار في صالة "سوذبيز" للمزادات يوم الجمعة 16- 05- سنة 2002م، ويعتقد أن المخطوطة التي تقع في صفحة واحدة كتبت في 1818، ويطلق عليها أحياناً اسم "السيمفونية الكورالية" لاحتوائها على كورال أوبرالي في حركتها الرابعة، وقد عُزِفت للمرة الأولى في فيينا عام 1824م.

ومن الأخبار المرعبة ما صرحت به الدكتورة ليلى جازيتش مديرة معهد الاستشراق في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك التي قالت: "هناك محاولات من قبل دول عديدة لاستغلال أزمة معهد الاستشراق المالية، حيث عرضت إسرائيل ألفي مليون دولار لشراء النسخة الوحيدة التي بقيت من كتاب الهاجادا، وهو عبارة عن كتاب نادر يضم قصصاً تاريخيةً ودينية يهودية مكتوبة باللغة العبرية، وقد بقيت هذه المخطوطة ضمن المخطوطات التي نجت من القصف الصربي الذي طال مكتبة معهد الاستشراق أثناء الحرب" ومع العلم أن هذا الكتاب قد طبع بالتصوير الراقي طبق الأصل، ومعه دراسة مستفيضة باللغة الإنكليزية، ووُزع ضمن علبة فاخرة منذ أيام جوزيب بروز تيتو، ومع ذلك يُدفع به هذا المبلغ الخيالي، والآن ألا يحقّ لنا أن نتساءل: بكم ستباع مخطوطة التلمود التي كانت في مدينة الكفل العراقية التي مرّت بها القوات الغازية وتوقفت فيها طويلاً قبل اجتياح بغداد؟ هل ستباع مخطوطة التلمود بعدة مليارات من الدولارات؟ أم أنها وصلت إلى إسرائيل مجاناً كمكافأة لها؟.

محتويات دار صدام للمخطوطات

تكونت محتويات دار صدام عن طرُق الإهداء و الشراء والاستيلاء، وضُمت إليها مخطوطات عدد من الخزائن العراقية العريقة الخاصة التي نذكر منها:

مخطوطات خزائن بغداد الخاصة

مخطوطات الأب ماري أنستاس الكرملي وعددها: 1300 مخطوطة، ومخطوطات رشيد عالي الكيلاني وعددها مجهول، ومخطوطات الشريف حازم الأمين وعددها: 197 مخطوطة، ومخطوطات المؤرخ عباس العزاوي وعددها: 3739 مخطوطة، ومخطوطات صادق كمونة وعددها: 514 مخطوطة، ومخطوطات يعقوب سركيس وعددها: 658 مخطوطة، ومخطوطات الناشر قاسم محمد الرجب وعددها: 410 مخطوطة، ومخطوطات السيد هاشم الآلوسي وعددها: 268 مخطوطة، ومخطوطات السيد عبد الرزاق الآلوسي وعددها: 368 مخطوطة، ومخطوطات مكتبة النائب والنقشبندي وعددها: 518 مخطوطة، ومخطوطات علي الخاقاني وعددها: 350 مخطوطة، ومخطوطات محمد حسين آل ياسين وعددها: 99 مخطوطة، ومخطوطات أحمد نيازي وعددها: 434 مخطوطة، ومخطوطات عبد الله السنوي وعددها: 224 مخطوطة، ومخطوطات يوسف مسكوني وعددها: 61 مخطوطة، ومخطوطات عز الدين مصطفى صفوت وعددها: 56 مخطوطة، ومخطوطات المؤرخ مصطفى جواد وعددها: 19 مخطوطة، ومخطوطات العالم التراثي كوركيس عواد وعددها: 36 مخطوطة، ومخطوطات خليل الورد وعددها: 84 مخطوطة، ومخطوطات مصطفي محمد صالح السهروردي وعددها: 173 مخطوطة، ومخطوطات حسين علي محفوظ وعددها: 273 مخطوطة، ومخطوطات الخطاط المشهور هاشم محمد الخطاط وعددها: 273 مخطوطة، ومخطوطات هاشم محمد الرجب وعددها: 12 مخطوطة، ومخطوطات مشكور مهدي الأسدي وعددها: 75 مخطوطة، ومخطوطات عبد المنعم المصرف وعددها: 230 مخطوطة، ومخطوطات إبراهيم عطار باشي وعددها: 32 مخطوطة، ومخطوطات محمد الخالصي وعددها: 376 مخطوطة.

خزائن مخطوطات الخاصة من محافظة الموصل
مخطوطات سعيد الديوجي " الجمّال" وعددها: 258 مخطوطة، ومخطوطات عبيد الأتروشي وعددها: 224 مخطوطة، ومخطوطات عبد الرزاق الفخري، وعددها: 185مخطوطة، ومخطوطات عبد المطلب عبد الغني النقيب وعددها: 78 مخطوطة،
ومخطوطات نوري فيض الله النقيب وعددها: 20 مخطوطة، ومخطوطات عزيز عبد الله الحسّو وعددها: 10 مخطوطة.

خزائن خاصة من مدينة النجف

مخطوطات كاظم شريف القرشي وعددها: 173 مخطوطة، ومخطوطات عز الدين الجزائري وعددها: 241 مخطوطة، ومخطوطات سيد مهدي الخراساني وعددها: 195 مخطوطة، ومخطوطات المكتبة الحسينية وعددها: 1004 مخطوطات، ومخطوطات محمد البلاغي وعددها: 588 مخطوطة، ومخطوطات محمد صادق الصدر وعددها: 281 مخطوطة.

خزائن خاصة من مدينة كربلاء

مخطوطات سلمان هادي الطعمة وعددها: 138 مخطوطة، ومخطوطات حسن عبد الأمير وعددها: 127 مخطوطة، ومخطوطات محمد حسين الأديب وعددها: 221 مخطوطة، ومخطوطات محمد صالح ضياء وعددها: 185 مخطوطة، ومخطوطات محمد حسن الطبطبائي وعددها: 147 مخطوطة، ومخطوطات محمد علي مرتضى وعددها: 174 مخطوطة.

خزائن خاصة من محافظة أربيل

مخطوطات مسعود محمد وعددها: 287 مخطوطة، ومخطوطات محمد رشاد المفتي وعددها: 423مخطوطة؟

خزائن خاصة من محافظة كركوك

مخطوطات رؤوف النقيب وعددها: 199 مخطوطة، ومخطوطات الملاّ صابر الكركوكلي وعددها: 500 مخطوطة، ومخطوطات محمد مصطفى سعيد وعددها: 1592 مخطوطة.

خزانة خاصة من مدينة سامراء

مخطوطات مهدي محمد العسكري وعددها: 258 مخطوطة.

خزانة خاصة من دهوك

مخطوطات جمدي عبد المجيد السلفي وعددها: 104 مخطوطة.

خزانة خاصة من العمارة

مخطوطات ضياء شكارة وعددها: 93 مخطوطة.

هذه المعلومات هي غيض من فيض تلقي الضوء على بعض أجزاء مأساة التراث المخطوط في العراق، وهنالك الكثير من المعلومات التي حال الحصار الداخلي والخارجي دون وصولها إلينا، وما حصل في العراق يجب أن يكون إنذاراً للدول التي جمعت المخطوطان في مكتبات كبرى مما سيسهل تدميرها دفعة واحدة، والواجب الوطني والإنساني يقتضي تصوير كافة المخطوطات على عدة نسخ وتوزيعها على عدة دول حرصاً على هذا التراث الإنساني المعرض للزوال جراء الحروب والفتن والمؤامرات الداخلية والخارجية.


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14428808
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة