تقاعُدُ الباحثين العرب عن قراءة التراث العربي الإسلامي اليتيم

فهرسة المطبوعات
لا تقتصر المأساة عند حدود فهرسة المخطوطات بل تتعداها إلى المطبوعات، وخطأ فهارس التراث المطبوع معطوف على خطأ الناشرين والمحققين، وسأكتفي بنموذج واحدٍ لهذا الخطأ له علاقة بابن الوردي المعري وكتابه : خريدة العجائب وفريدة الغرائب، المنسوب إلى جدِّه

والكتاب متاح في الموقع للتحميل كاملاً 

 

تقاعُدُ الباحثين العرب عن قراءة التراث العربي الإسلامي اليتيم
د. محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن


مُعظم أمم الأرض تهتم بتراثها، وترسل البعثات للبحث عن مُخلَّفات الأجداد تحت أراضيها، وأراضي الأمم الأخرى التي أقام عليها الأجداد آثارا آبدة ظاهرة أو مُندثرة، ومن يراجع مجلات الحوليات الآثارية العربية يهوله الوضع الراهن حيث تندثر الآثار العربية الإسلامية في بلاد العرب والمسلمين، ويتم اكتشاف وترميم الآثار التي خلَّفتها الأمم السابقة، والديانات السابقة، والأمم البائدة، ولا تقتصر هذه الظاهرة على التراث العمراني، وما فيه من المباني، وما كان يُستعمل فيها من الأسلحة والألبسة الأواني، بل تتعداه إلى المخطوطات المكتوبة على الورق وغيره، فتراث الأمم الأعجمية المخطوط ينال العناية الفائقة، ويتم إحياؤه بالطباعة المحقَّقة، أما التراث العربي الإسلامي، فمازال أكثره مجهولاً رغم الجهود المتواضعة المبذولة من المؤسسات الخاصّة والعامَّة، والتراث العربي الإسلامي المطبوع تعتريه عدَّة شوائب.

فهرسة المطبوعات
لا تقتصر المأساة عند حدود فهرسة المخطوطات بل تتعداها إلى المطبوعات، وخطأ فهارس التراث المطبوع معطوف على خطأ الناشرين والمحققين، وسأكتفي بنموذج واحدٍ لهذا الخطأ له علاقة بابن الوردي المعري.
كانت مدرسة ابن الوردي نقطة علاّم بارزة في الحي الشرقي الجنوبي بمدينة معرة النعمان، وبقيت تلك المدرسة دليلاً يذكِّر أبناء منطقة معرة النعمان بشاعر المعرة وعالمها ومؤرخها القاضي ابن الوردي المعري، وفي سنة 1978م استولى جهاز أمن الدولة على المدرسة، وحولها إلى مُعتقل سيء الصيت، وأطلق اسم مدرسة ابن الوردي على  بناء حديث، وحار المعريون بين الناسخ والمنسوخ كحيرة المعري في اللاذقية سابقاً.

ولقد لَفَتَ انتباهنا ابنُ الوردي بجامِعِهِ وبمدرسته في المعرة، وبقصيدته اللامية التي تضمنتها الكتب المدرسية باعتبارها من القصائد الحكمية التي تقع في سبعة وسبعين بيتاً من بحر الرمل، وتسمّى لامية ابن الوردي كما تسمى نصيحة الإخوان ومرشد الخلان، وهي على بحر الرمل  ومما جاء فيها:

اِعْتَزِلْ ذِكْرَ الأغاني والغَزَلْ
وقُلِ الفَصْلَ وجانب من هَزَلْ
ودَعِ الذكرى لأيـام الصِّبا
فلأيام الصبا نجمٌ أَفَلْ 
واهجر الخَمْرَةَ إنْ كنت فتىً
كيف يسعى في جُنُونٍ من عَقَلْ؟
ليس مَن يَقْطَعُ طُرْقاً بطلاً
إنما مَن يتقي الله البطلْ
جَانِبِ السلطانَ واحذر بَطْشَه 
لا تُعَانِدْ مَن إذا قال فَعَل

ونظراً لما لابن الوردي من شهرة، فقد تتبعتُ ما نُشر من تراثه، وما فُهرس منه، فوجدتُ خللاً، وذلك لأن كتاب "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" قد نُسِبَ للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي، وهو لسراج الدين عمر بن الوردي البكري القرشي، وهذه النسبة المغلوطة تشكل دليلاً على أن أكثرية الناشرين والمحققين والمفهرسين والباحثين العرب لم يصلوا مرتبة الاجتهاد في تحقيق التراث كغيرهم من أبناء الأمم الأخرى، ولكن العرب اكتفوا بالتقليد والاجترار، وقد تكرَّرت الأخطاء في نسبة الكتب إلى غير مؤلفيها في كتب تراثية أُخرى جَرَّاء التدليس والتصحيف والتحريف، ومِن دلائل نِسبةِِ الكتب إلى غير مؤلفيها: نسبةُ كتاب الإمامة والسياسة إلى ابن قتيبة الشافعي ظلماً وعدواناً، ونسبة كتاب تأويلات القاشاني "الكاشاني"  إلى محيي الدين ابن عربي، ونسبة كتاب "مناقب بغداد" لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي البكري القرشي، تـ 597 هـ/ 1201م، وهو لحفيده الشهيد عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي البكري القرشي من سلالة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

زين الدين بن الوردي
القاضي زين الدين، أبو حفص، عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس ، ابن الوردي، الشافعي المعري الحلبي البكري القرشي، وُلد في معرّة النعمان سنة 689، وقيل سنة 691 هـ/ 1291م، ويرجع نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد أشار إلى نسبه في لاميته فقال:
مَعَ أَنّي أحْمَدُ اللهَ على
نَسبي إذْ بِأبِيْ بَكرِ اتصلْ

وكانت، وفاة القاضي ابن الوردي سنة 749هـ/ 1348م. وكان فقيهاً، أديباً، شاعراً، موَرّخاً. وقد تفقّه في مدينة حماة السورية على القاضي شرف الدين هبة اللّه بن عبد الرحيم ابن البارِزي وغيره. وأخذ في مدينة حلب عن الفخر خطيب جبرين، وناب في الحكم بها. وولي قضاء مَنْبِـج وشيزر، ثم تركه. وحدّث عنه أبو اليسر بن الصائغ الدمشقي.

أغنى ابن الوردي بمؤلفات قيّمة، ومنها: ديوان شعر مطبوع في مطبعة الجوائب في إسلامبول سنة 1300 هـ/ 1882م 211 صفحة، وكتاب بهجة الحاوي: البهجة الوردية، وهو قصيدة مكونة من 5063 بيتاً، وقد نظم فيها محتويات كتاب «الحاوي الصغير» في فقه الشافعية وطبعت في القاهرة سنة 1311 هـ/ 1893م. والتحفة شرح النفحة الوردية في كتاب حققه عبد الله الشلال سنة 1989م. ولابن الوردي: تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة، اختصر فيها ألفية ابن مالك. وله: التوضيح، شرح فيه ألفية ابن مالك. وله: ضوء الدرة على ألفية ابن معطي. وله أرجوزة غزلية ضمّنها ملحة الإعراب للحريري. وله منطق الطير في التصوف والأخلاق. وله كتاب الكواكب السارية في مائة جارية، نشر في القاهرة سنة 1936م في مجلدين، وله تتمة المختصر في أخبار البشر وهو ذيل تاريخ ابن كثير طبع في القاهرة منذ سنة 1285 هـ/ 1868 في مجلدين، ثم حققه أحمد رفعت البدراوي ونشر سنة 1389هـ/ 1970م. وله: أرجوزة ألفية في تعبير المنامات طبعت في القاهرة سنة 1285 هـ/ 1868م. ومقامات ابن الوردي طبعتها نظارة المعارف العثمانية بمطبعة الجوائب في إسلامبول سنة 1300 هـ/ 1882م.


حفيد ابن الوردي
ابن الوردي الحفيد هو: سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي، المتوفى سنة (852هـ/ 1447م، وقيل سنة 861هـ/ 1457م.
كان ابن الوردي الحفيد عالما زراعياًّ وجغرافياًّ، وقد ألف كتاباً بعنوان: منافع النبات والثمار والبقول والفواكه، وله كتاب بعنوان: فرائض وفوائد، وأشهر كتبه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" ولكن هذا الكتاب منسوب إلى جده القاضي عمر بن الوردي تـ 749هـ/ 1348م. وقد ألّفَ ابن الوردي هذا الكتاب حسب ما ذكره المؤلف سنة 822هـ/  1419م، أي بعد وفاة ابن الوردي الكبير بمدة إحدى وسبعين سنة شمسية. والدليل قول المؤلف في مقدمة الكتاب: "فحينئذٍ أشار إلى الفقير الخامل مَن إشارتُهُ الكريمة محمولة بالطاعة على الرؤوس، وسفارته المستقيمة بين الإمام المعظم والسودان الأعظم قد سطرت في التواريخ والطروس، وهو المقرُّ الأشرف العالي المولوي الأميني الناصحي السَّيِّدي المالكي المخدومي السيفي شاهين المؤيد، مولانا نائب السلطنة الشريفة بالقلعة "الحلبية" المنصورة الجليلة، أعز الله أنصاره؛ ورفع درجته وأعلى مناره: أن أضع له دائرةً مشتملة على دائرة الأرض، صغيرةً توضح ما اشتملت عليه من الطول والعرض، والرفع والخفض؛ ظناً منه ـ أحسن الله إليه ـ أني أقوم بهذا الصعب الخطير؛ وأنا والله لست بذلك، والفقير في دائرة هذا العالم أحقر حقير. فأنشدت:
إنَّ المقادير إذا ساعدت
ألحقت العاجزَ بالحازمِ.."
إن الناظر المدقق في كتاب ابن الوردي يكتشف أن الكتاب قد تضمن ما توصل إليه الجغرافيون في زمانه مع إشارات تاريخية طرأت على البلدان التي ذكرها، والكتاب عبارة عن قراءة في الخرائط التي رسمها ابن الوردي الحفيد، والتي اعتمدها الغربيون المعاصرون له، والذين أتَوا بعده، ودقة معلوماته أثارت بلبلة حول نسبة الكتاب إلى القاضي ابن الوردي الجدّ لأن علم الجغرافيا لم يكن متطورا كما هو الحال في خريدة العجائب، ونظرا لجهل الباحثين بوجود عمرين من أبناء الوردي، فقد شككوا بنسبة الكتاب إلى ابن الوردي لأنهم عرفوا الجدّ، وجهلوا الحفيد لأن المراجع والمصادر قد أغفلت ترجمته، وشهرة ابن الوردي الجدّ قد غطّت على ابن الوردي الحفيد، وجنت عليه جناية امتدت آثارها إلى المفهرسين والمحققين، وألصقت بهم صفة الغفلة لأنهم لم يدركوا سبب هذا الالتباس بين الرجلين، فقدموهما وكأنهما رجل واحد رغم الفاصل الزمني "71 سنة" بين تاريخي وفاتيهما. وسبب الالتباس تطابق الاسمين واللقبين المتطابقين، والنسبتين والكنيتية المتطابقتين.
تمتاز خرائط ابن الوردي الحفيد برسمه العالم على شكل دائرة يحيط بها بحر الظلمات، ويحيط ببحر الظلمات جبل قاف. وقد أكّد كروية الأرض حيث قال: " قد اختلف العلماء في هيئة الأرض وشكلها.. وذكر بعضهم: أنها تشبه نصف الكرة، كهيئة القبة، وأن السماء مركبة على أطرافها. والذي عليه الجمهور: أن الأرض مستديرة كالكرة، وأن السماء محيطة بها من كل جانب، كإحاطة البيضة بالْمحَّة، فالصُّفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة الماء، وجلدها بمنزلة السماء".
لقد استفاد ابن الوردي في كتاب الخريدة من كتب العرب والمسلمين الذين سبقوه، ورسموا الخرائط منذ القرن الأول الهجري حيث أمر الحجاجُ بن يوسف الثقفي قتيبةَ ابن مسلم بتزويده بخريطة بلاد الديلم، فأرسلها إليه سنة89هـ/ 708م، وتتابع رسم الخرائط من قبل الجغرافيين والعسكريين المسلمين في عهد الخلافة الإسلامية الأموية ثم العباسية، وكانت من أروعها خريطة الأقاليم السبعة للإدريسي، المتوفى عام 560هـ/ وخريطة زكريا بن محمد القزويني تـ 682هـ/ 1283م. وخرائط ابن الوردي التي استفاد منها الأندلسيون، وأخذها عنهم الأوربيون، فرسموا خرائط مشابهة لخرائط ابن الوردي التي مازالت محفوظة في مكتبة باريس. ثم التفوا حول رأس الرجاء الصالح سنة 1497م، بعد فتح القسطنطينية سنة 857 هـ/ 1453م، وسقوط الأندلس سنة 1492م. وكانت خرائط أميرال البحر العثماني بير رئيس من أدقّ الخرائط العثمانية المتقدمة، وتبعتها مصورات سفر العراقين مع السلطان سليمان القانوني.
 
ما سبب الخطأ؟
إن من حقنا أن نسأل عن سبب هذا الخطأ في نسبة الكتب إلى غير مؤلفيها، ومن واجبنا البحث عن جواب مقنع، وإننا نرى أن سبب هذا الخلط في تراثنا يعود إلى عدم الاهتمام بالمعرفة، وعدم قراءة التراث قراءة علمية، واتكاء الباحثين اللاحقين على كلام السابقين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث.

لقد طبع كتاب "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" أول مرة في مدينة لوند السويدية سنة 1824م مع ترجمة لاتينية بعناية هايلندر، ويقع في 300 صفحة.
وطبع في مدينة أوبسالا السويدية في مجلدين بعناية تورنبورغ ما بين سنة   1835وسنة 1839م.
وطبع في المطبعة الوهبية في القاهرة سنة 1292هـ/ 1880م
وطبع في المطبعة الوهبية في القاهرة سنة
وطبع في المطبعة الشرفية في القاهرة سنة 1300 هـ/ 1882م، ثم سنة 1314 هـ/ 1896م.
وطبع في مطبعة عثمان عبد الرزاق في القاهرة سنة 1303 هـ/ 1885م.
وطبع في المطبعة الميمنية في القاهرة سنة 1324 هـ/ 1906م.
وطبع في مطبعة عيسى البابي الحلبي في القاهرة سنة 1939م
ونشر (سيغفريد فرويند) الفصل الخاص بأحوال يوم القيامة في (برسلاو) سنة1853م.
أخطاء المحققين والمفهرسين
أخطأ عضو مجمع اللغة العربية بدمشق محمد سليم الجندي في نسبة كتاب خريدة العجائب إلى القاضي ابن الوردي، وذلك في المجلد الثالث من كتاب تاريخ معرة النعمان، الصفحة: 119 ـ 131. منشورات وزارة الثقافة السورية سنة 1383 هـ/ 1963م. وقد ألفه سنة 1319 هـ/ 1901م.

وأخطأ في نسبة كتاب خريدة العجائب إلى القاضي ابن الوردي يوسف سركيس في الصفحة 284 من المجلد الأول من معجم المطبوعات العربية والمعربة الذي نشرته مطبعة سركيس في مصر سنة 1346 هـ/ 1928م.
وأخطأ في نسبة كتاب خريدة العجائب إلى القاضي ابن الوردي عبد الجبار عبد الرحمن في الصفحة 278 من المجلد الأول من فهرس ذخائر التراث العربي الإسلامي الصادر في العراق سنة 1401 هـ/ 1981م.
 
ونسب الكتاب خطأً إلى عمر بن مظفر بن عمر ابن الوردي (تـ 749 هـ/ 1349م) في المعجم الشامل، إعداد محمد عيسى صالحية، منشورات معهد المخطوطات العربية، ج 5 ، ص: 332.

ونظراً لجهل المؤرخين بما يخص ابن الوردي الحفيد، فقد شكك بعضهم بنسبة الكتاب إلى ابن الوردي الجدّ، وأصحّ ملاحظة في هذا الإطار اشارة محمد بن أبي شنب أن مؤلف الكتاب رجل آخر، يدعى أيضاً ابن الوردي، ووفاته سنة 861هـ، ولكن أبا شنب لم يبرهن برهاناً قاطعاً على دعواه التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية 1 / 302. وقد تعقبه الزركلي في الأعلام، ولكنه لم يوفق حيث ادعى بأن هذا هو الوروري: عمر بن عيسى، وليس الوردي. وأضاف: أنه رأى مخطوطة يمانية حديثة في مكتبة الفاتيكان (1098 عربي) وقد كتبها يوسف بن المطهر الجرموزي سنة 1124هـ، وعليها اسم المؤلف: عمر بن منصور بن محمد بن عمر الوردي السبكي. وبذلك عارض الزركلي فكرة أبي شنب رغم أنها أصحّ مما عوّل عليه من ذكره للوروري. وهكذا يبقى التراث العربي الإسلامي يتيماً ينتظر من ينصفه على موائد المحققين والمفهرسين

حمل الكتاب من هنا   تفضل

icon Ibn al-Wardi-Book.zip (238.64 KB)


إحصاءات

عدد الزيارات
12017604
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة