مجالس - الأحد 1 شوال 1430 هـ / 20 أيلول/ سبتمبر 2009م - المكتبات العثمانية الوقفية بعد القرن العاشر الهجري

osmanli600.jpg

 

******

majalis2.jpg 

*****
مجالس - المكتبات العثمانية الوقفية بعد القرن العاشر الهجري
جريدة الحياة - لندن - الأحد: 30 من شهر رمضان المبارك 1430 هـ/ 20 أيلول/ سبتمبر 2009م
محمود السيد الدغيم 
*********** 

  

التطور المستمرّ للمكتبات العثمانية الإسلامية الوقفية بعد القرن العاشر الهجري
محمود السيد الدغيم *
* باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن

اتسعتْ أُفُقِياًّ مناطقُ انتشار المكتبات الوقفية الإسلامية العثمانية، وتصاعدت نوعياتُها وكمياتُها شاقولياًّ، فشملت مُعظمَ حواضر دار الخلافة الإسلامية العثمانية، وحظيتْ تلك المكتباتُ باهتمامٍ معماريٍّ لتأمين الراحة للقرّاء والباحثين، وللمحافظة على المخطوطات، فامتازت أبنيةُ المكتبات بتهويةٍ صحية، واختيرت أماكنُها بعيداً عن أماكنِ الضجيج، وتم تزويدُ المكتبات بالمدراء والفراشين والطباخين، وأُلحقتْ بها مُستودعاتٌ محكمةٌ لحفظِ المخطوطات من شرور البكتريا والحشرات والقوارض، والعابثين من الجهلة، وقد ساعدتْ تلك المواصفات على الإقبال على المطالعة والبحث العلمي في شتى أنواع العلوم الدينية والدنيوية.
وفي أواخر القرن السادس عشر ازدادت أعدادُ المكتبات التي أُلحقتْ بالمدارس، ومن أبرزها مكتبةُ جامع جيهانكير في إستانبول، والتي أنشِئتْ
من قِبل محمود بيه سنة 1002هـ/ 1593م، ومكتبةُ المرصد الجوي التي أنشأها السلطان مرادُ الثالث وكانت متخصصة بما يتعلّق بعِلم الفلك من كُتبٍ مُتعدّدة اللغات. وفي سنة 1089هـ/ 1678م انشأ كوبريلى فاضل مصطفي پاشا مكتبةً مستقلة في إستانبول، ومازالت مُستقلةً ومفتوحةً للباحثين حتى الآن، وقد طُبعت فهارسُها في ثلاثة مجلدات باللغة العربية سنة 1406 هـ/ 1986م. ثم نشأت مكتباتُ قره مصطفى پاشا المرزفونلى، وعموجه زاده حسين المحفوظة في السليمانية، ومكتبةُ شيخ الاسلام فيض الله افندي المحفوظة مخطوطاتها مع مخطوطات مكتبة علي أميري في ما يُسمّى مكتبة الملة في منطقة الفاتح في إستانبول.

وتدل المعلومات المتوفرة على حصولِ تطورٍ مُذهل في عالم المكتبات في عهد أمير المؤمنين السلطان أحمد الثالث رائد عصر (اللاله لي: التيوليب) في التاريخ العثماني الممتد من سنة 1027 هـ/ 1618م حتى سنة 1143 هـ/ 1730م، وقد أنشأ السلطانُ أحمد الثالث المكتبات الملحقة بالقصور والجوامع الجديدة، واقتدى به وزيرُه ابراهيم پاشا فانشأ مكتبةً داخل مدرسته في إستانبول، ومكتبة في مدينة نوشهير مسقط رأسه.

وتسارعت حركةُ تطوُّر وازدياد أعداد المكتبات في عهد أمير المؤمنين السلطان محمود الأول 1143 هـ/1730م حتى 1168 هـ/1754م الذي أنشأ مكتبة آياصوفيا سنة 1153 هـ/ 1740م ومكتبة فاتح سنة 1155 هـ/ 1742م ومكتبة غلطه سراي سنة 1168 هـ/ 1754م، ومخطوطات هذه المكتبات مازالت محفوظة في مكتبة السليمانية في إستانبول.
واقتدى بالسطان رجالُ دار الخلافة الإسلامية العثمانية، فأنشؤوا مكتبات: حكيم اوغلوا پاشا سنة 1151 هـ/ 1738م، وحاجي بشير آغا سنة 1168 هـ/ 1754م، ومخطوطاتهما في السليمانية، ومكتبة عاطف افندي المستقلة سنة 1154 هـ/ 1741م، وهي مازالت مفتوحة للباحثين.
وفُتحت مكتبةُ قره وزير في مدينة نوشهير سنة 1194 هـ/ 1780م، ومكتبة خليل حامد پاشا في إسبارطا سنة 1197 هـ/ 1783م، ومكتبة يوسف آغا في قونيا سنة 1209 هـ/ 1794م، ومكتبة رشيد أفندي في قيصري سنة 1212 هـ/ 1797م، ومكتبة وحيد پاشا في مدينة كوتاهية سنة 1226 هـ/ 1811م، ومكتبة درويش پاشا في مدينة بوردور سنة 1233 هـ/ 1818م. وقدّمت السلطنة الإسلامية العثمانية الدَّعم والإشرافَ والرعايةَ للمكتبات الخاصَّة والعامَّة بناءً على أوامرِ أمير المؤمنين السلطان محمود الثاني 1223 هـ/ 1808حتى 1255 هـ/ 1839م، واستمرّ اهتمامُ العثمانيين بالكُتُب والمكتبات والخط والمخطوطات حتى نهاية عهد الخلافة الإسلامية العثمانية، وبعد قيام الجمهورية التركية أُخضِعت المكتباتُ وما فيها للإشراف الحكومي.

وتقدَّرُ أعدادُ المخطوطات المحفوظة في تركيا بأكثر من 300،000 مخطوطة، وأكثر من نصفها مكتوبٌ باللغة العربية، أي: ما يزيد عن 160،000 مخطوطة، ويوجد أكثر من  70،000 مخطوطة باللغة التركية العثمانية، وأكثر من 13،000 مخطوطة باللغة الفارسية، وتوجد في تركيا مخطوطات باللغة اليونانية والأرمينية والسريانية وغيرها، وتُشرفُ الإدارةُ العامة للمكتبات التابعة لوزراة الثقافة التركية على 13 مكتبة تراثية للمخطوطات، توجد منها سبعُ مكتبات في مدينة إستانبول، وهي مكتبة السليمانية التي تحتفظ بمخطوطات 119 مكتبة تراثية، ومكتبة كوبوريلى، ومكتبة عاطف أفندي، ومكتبة نور عثمانية، ومكتبة حاجي سليم آغا، ومكتبة راغب پاشا.

وهنالك مكتباتٌ تراثية أُخرى فيها مخطوطات قيّمة، وهي:  مكتبة ملَّت، ومكتبة الدولة، أبايزيد، ومكتبة جامعة إستانبول، ومكتبة البلدية أتاتورك في إستانبول، ومكتبة مرصد قنديلي، ومكتبة سرمت تشيفتر للأبحاث، ومكتبة بنك يابي كيريدي، ومكتبة جريدة ترجمان، ومكتبة السلطان أحمد الثالث في متحف قصر طوب قابي، ومكتبة متحف الآثار الاسلامية التركية في قصر إبراهيم پاشا، ومكتبة متحف الآثار العتيقة (الآركيولوجي) والمتحف العسكري، والمتحف البحري في بشكطاش، ومتحف آداب الديوان، ومتحف فنون الخط، ومتحف صدبرك هانم. وهنالك عشرات آلاف المخطوطات في بقية المدن في كافة الولايات التركية.

مدرسة ومكتبة راغب پاشا
تقعُ مكتبة راغب پاشا في شارع الجيش (أوردو) في منطقة لاله لي في إستانبول قرْبَ الجامعة وجامع لاله لي، وقد بناها الصدرُ الأعظم محمد راغب پاشا بن محمد شوقي الإستانبولي الحنفي ت 1176 هـ/ 1762م. وقد بنى راغب پاشا مكتبته خلال سنتيّ 1175 هـ/ 1761 و1176 هـ/ 1762م، وبعدما نقل إليها مخطوطاته ومطبوعاته بأربعين يوماً انتقل إلى رحمة الله تعالى.
ويقع بناء المكتبة الرئيس وسط قطعة أرض مساحتها 2000 متر مربع، وتحيط بها المباني الوقفية التي سطا عليها اللصوص فاستملكوها في غفلة من أعيُن وأعيانِ العدالة والإنصاف، فمن مُلحقات المكتبة: الكُتّاب لتدريس الأطفال، وعشرة دكاكين، وخمسة مستودعات، وخمسة مرافق للوضوء، وتربة وحديقة.

ويوجد في مكتبة راغب پاشا 1631 مجلداً مخطوطا أكثرها باللغة العربية، وأقل من 100 مخطوطة بالعثمانية والفارسية، وتضمُّ بعضُ المجلدات أكثر من 70 كُتيباً ورسالة، ووقفيةُ المكتبة محفوظة في مكتبة راغب پاشا تحت الرَّقْم الْحَمِيْدِيّ: 1337/مكرر، وفي المكتبة 552 من الكتب العربية المطبوعة قديما، وفيها 1704 كتب مطبوعة باللغة التركية العثمانية، و3634 بالتركية الحديثة إضافةً إلى كُتبٍ مطبوعة باللغات الأُخرى.
ومكتبة راغب پاشا مُسوّرة، ولها بوابةٌ كبرى، تؤدي إلى مبانٍ ومرافق عن يمينها وشمالها، تلي ذلك ساحةُ المكتبة الخارجية، وقد شُيّدَ بناءُ المكتبة على شكل بناءِ جامعٍ من الطراز السُّلجوقي يتكون من طابقين مهمّةُ الطابق السُّفلي منهما امتصاصُ الرطوبة شتاءً وتلطيفُ الحرارة صيفاً، والطابقُ العُلوي له سُلمان عن يمين وعن شمال، وهما يفضيان إلى إيوان توجد عن يمينه غرفةٌ للموظفين، وعن شماله مسجدٌ للصلاة، وفي صدْر الإيوان يقعُ بابُ المكتبة الداخليّ، وهو يُفضي إلى فضاء رحبٍ مربع الشكل يتوسطه قفصٌ معدني عملاق له بابٌ محكمُ الإغلاقِ، وبداخل القفص توجدُ الرفوفُ المخصصة للمخطوطات.

وتحيطُ بالقفص من الجهات الأربع طاولاتٌ ومقاعدُ لرواد المكتبة، وتعلو القفصَ القبةُ الوسطى الكُبرى المرفوعةُ على قناطرَ مرمريةٍ مرفوعةٍ على أربعة أعمدة من الرُّخام، وتحيطُ بالقبّة الوسطى ثمانُ قبابٍ صُغرى موزّعة بمعدّل قبتين في كلِّ جهةٍ من الجهات الأربع، ويبلغُ عددُ نوافذِ المكتبة 34 نافذةً تؤمّن التهويةَ والإنارة، وقد تَمَّ تزينُ الجدران الأربعة بالخزف الأزرق الملوّن المزدان بصور المزهريات البديعة، وزينت الجدران الأربعة بسطرٍ مكتوب بخط عربي جميل متواصل يتضمَّنَ 34 بيتاً من قصيدة بُردةِ البوصيري ابتداءً بقوله:
أمن تذكُّر جيران بذي سلم ** مزجت دمعاً جرى من مقلةٍ بدمِ
أَمْ هبَّتِ الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمةٍ // وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضمِ
فما لعينيك إن قلت اكْفُفا هَمَتا // وما لقلبك إن قلت استفق يهمِ
أيحسب الصبُ أنّ الحب منكتمٌ // ما بين منسجم منه ومضْطَّرمِ
لولا الهوى لم ترق دمعاً على طللٍ // ولا أرقْتَ لذكر البانِ والعَلمِ
نعمْ سرى طيفُ منْ أهوى فأرقني // والحب يعترض اللذات بالألمِ
يا لائمي في الهوى العذري معذرة // مني إليك ولو أنصفت لم تلمِ
عَدتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمستترٍ // عن الوشاة ولا دائي بمنحسمِ
محضْتني النصح لكن لست أسمعهُ // إن المحب عن العذال في صممِ
وانتهاء بقوله:
أستغفرُ الله من قولٍ بلا عملٍ // لقد نسبتُ به نسلاً لذي عُقُمِ
أمْرتُك الخيرَ لكنْ ما ائتمرْتُ به // وما استقمتُ فما قولى لك استقمِ
ولا تزودتُ قبل الموت نافلةً // ولم أصلِّ سوى فرضٍ ولم اصمِ

 

*********
رابط المقال في جريدة الحياة
اضغط هنا
*****
نسخة للطباعة
اضغط هنا
-----------
copyright © daralhayat.com

*******

للمزيد من المعلومات حول راغب باشا

اضغط هنا

****

المكتبات العثمانية

اضغط هنا


***********

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14099432
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة