ثلاث مقالات منشورة في مجالس رمضان في جريدة الحياة اللندنية: بمناسبة رمضان المبارك نتقدم بعاطر التهاني لكافة المسلمين والمسلمات، وأبناء العرب والمسلمين، وكل مَن يتحلى بالصفات الإنسانية

  RamadanMajalis.JPG

******

ahlan.gif

Ramadan199.GIF 

نُشِر المقال في جريدة الحياة في زاوية المجالس خلال ثلاثة أيام

الملف الأول 6 رمضان

اضغط هنا:>--> جريدة الحياة

الملف الثاني 7 رمضان

اضغط هنا :>--> جريدة الحياة

الملف الثالث 8 رمضان

اضغط هنا :>--> جريدة الحياة 

Ramadan1.gif 

الأدلة على وجوب صوم رمضان في القرآن الكيم والسُّنّة النبوية المطهَّرة

أجمع المسلمون أهل السُّنّة والجماعة على أنّ أصحَّ الكُتُب بعد القرآن الكريم هو صحيح الإمام البخاري‏ الذي يتضمّنُ الأحاديث النبوية الصحيحة متْناً وإسناداً، وقد وزّع البخاري الأحاديث حسب موضوعاتها على كُتُبٍ بلغ عددها 97 كتاباً؛ أوّلها كتاب ‏بدء الوحي، ثُمّ تتابع الكتب مثل كتاب ‏الإيمان‏، ثُمّ كتاب ‏العِلْمِ، ثُمّ كتاب الوضوء، ثُمّ كتاب ‏الغسل‏، ثُمّ كتاب ‏الحيض‏، ثُمّ كتاب ‏التيمم،‏ ثُمّ كتاب ‏الصلاة،‏ ثُمّ كتاب ‏مواقيت الصلاة، ثُمّ كتاب ‏الأذان‏، ثُمّ كتاب ‏الجمعة‏، ثُمّ كتاب ‏الجنائز، ثُمّ كتاب ‏الزكاة‏، ثُمّ كتاب ‏الحج‏، ثُمّ كتاب الصوم‏، ثُمّ كتاب ‏صلاة التراويح‏ و‏الاعتكاف‏، وتتابع الكُتُبُ حسب موضوعاتها، ثمّ يختتمُ البخاريُّ الجامعَ الصحيحَ بكتاب التوحيد.
ومن المواضيع التي يضمها الجامع الصحيح: ‏البيوع‏ و‏السلم و‏الشفعة‏، و‏الإجارة و‏الحوالات و‏الوكالة، و‏المزارعة‏ و‏المساقاة‏، والاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس‏، و‏الخصومات‏، واللُّقْطَة،‏ و‏المظالم والغصب‏ و‏الشركة‏ و‏الرهن‏، و‏العتق، و‏الهبة وفضلها والتحريض عليها‏، ‏الشهادات‏، و‏الصلح‏، و‏الشروط‏، و‏الوصايا‏، و‏الجهاد والسير،‏ و‏فرض الخمس‏، و‏الجزية‏، و‏بدء الخلق،‏ و‏أحاديث الأنبياء‏، و‏المناقب‏ و‏المغازي،‏ و‏تفسير القرآن‏ و‏فضائل القرآن‏، و‏النكاح‏ و‏الطلاق‏ و‏النفقات،‏ و‏الأطعمة‏ و‏العقيقة‏ و‏الذبائح والصيد‏ و‏الأضاحي‏ و‏الأشربة‏، و‏المرضى‏ و‏الطب‏، و‏اللباس،‏ و‏الأدب‏ و‏الاستئذان‏ و‏الدعوات،‏ و‏الرّقاق‏، و‏الْقَدَر،‏ و‏الأيمان والنذور‏، و‏كفارات الأيمان‏، و‏الفرائض،‏ و‏الحدود‏ و‏الديات،‏ و‏استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم‏، و‏الإكراه،‏ و‏الْحِيَل،‏ و‏التعبير،‏ و‏الفتن‏، ‏الأحكام‏، و‏التمني‏، و‏أخبار الآحاد،‏ و‏الاعتصام بالكتاب والسنة، وكتاب‏ ‏التوحيد‏، وهو آخر الكتُب الموجودة في الجامع الصحيح للإمام البخاري.

Ramadan10.jpg

‏أما كِتاب الصوم في صحيح البخاري‏ فيتألف من تسعة وستين باباً أوَّلها: باب ‏ُوُجُوْبِ صَوْمِ رَمضان، وقول الله تعالى في سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)"‏.
‏قال الإمام البخاري: "حَدَّثَنَا ‏قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ‏حَدَّثَنَا ‏إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏عَنْ ‏أَبِي سُهَيْلٍ ‏عَنْ ‏أَبِيهِ ‏عَنْ ‏طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: ‏أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ثَائِرَ ‏الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: ‏الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏شَرَائِعَ الإِسْلامِ. قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".

فضل الصوم‏ في الباب الثاني من كتاب الصوم في صحيح البخاري

Ramadan5.gif
 
قال الإمام البخاري في الجامع الصحيح: ‏"حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏عَنْ ‏مَالِكٍ ‏عَنْ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏عَنْ ‏الأَعْرَجِ ‏عَنْ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ: ‏الصِّيَامُ ‏جُنَّةٌ ‏فَلا ‏يَرْفُثْ ‏وَلا يَجْهَلْ، وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ ‏لَخُلُوفُ ‏فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، ‏الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".
وشرح هذا الحديث الشريف ابن حجر العسقلاني في كتاب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" فقال: ‏قوله: ( الصيام جنة ) ‏‏زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد "جُنة من النار" وللنسائي؛ من حديث عائشة رضي الله عنها وعن أبيها؛ مثله، وله من حديث عثمان بن أبي العاص "الصيام جُنّة كجُنّة أحدكم من القتال" ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة "جُنة وحصن حصين من النار" وله من حديث أبي عبيدة بن الجراح "الصيام جُنة ما لم يخرقها" وزاد الدارمي "بالغِيبة" وبذلك ترجم له هو وأبو داود.
والجُنة بضمِّ الجيم: الوقاية والستر. وقد تبين بهذه الروايات مُتعلق هذا الستر؛ وأنه: من النار، وبهذا جَزَمَ ابنُ عبد البرِّ . وأما صاحبُ" النهاية " فقال: معنى كونه جُنة؛ أي: يقي صاحبَه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي: جُنة أي: سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أنْ يصُونه مما يُفسده وينقصُ ثوابَه، وإليه الإشارةُ بقوله " فإذا كان يوم صومِ أحدكم فَلا ‏يَرْفُثْ إلخ "، ويصحُّ أن يُراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهواتِ النَّفْس، وإليه الإشارة بقوله " يدعُ شهوتَهُ إلخ "، ويصحّ أن يُراد أنه سترةٌ بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
وقال عِياض في " الإكمال": معناه: سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جَزَمَ النووي. وقال ابنُ العربي : إنما كان الصوم جُنة من النار لأنه إمساكٌ عن الشهوات، والنار محفوفةٌ بالشهوات . فالحاصل أنه إذا كفَّ نفسه عن الشهوات في الدُّنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة . وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارةٌ إلى أن الغِيبة تضرُّ بالصيام، وقد حُكي عن عائشة أم المؤمنين، وبه قال الأوزاعي : إن الغيبة تفطرُ الصائمَ وتوجِبُ عليه قضاءَ ذلك اليوم . وأفرط ابنُ حزم فقال . يبطلُه كلُّ معصيةٍ من متعمِّد لها ذاكرٍ لصومه سواء كانت فعلاً أو قولاً، لعموم قوله " فَلا ‏يَرْفُثْ ولا يجهل " ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب "من لم يدعْ قولَ الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أنْ يدَعَ طعامه وشرابه".
والجُمهور وإن حمَلوا النهي على التحريم إلاّ أنهم خصُّوا الفِطر بالأكل والشرب والجِماع، وأشار ابنُ عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبُك بكون الصيام جُنة من النار فضلاً. وروى النسائيُّ بسندٍ صحيح عن أبي أُمامة قال: "قلتُ يا رسول الله مُرني آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي روايةٍ "لا عدل له" والمشهورُ عند الجمهور ترجيحُ الصلاة.

‏وقوله: (فلا يرفث) ‏الرفث: يطلق على الكلام الفاحش، وعلى الجماع، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها. و‏قوله: ( ولا يجهل ) ‏‏أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك.
 ولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه " فلا يرفث ولا يجادل " قال القرطبي : لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. و‏قوله: ( والذي نفسي بيده ) ‏أي: ‏أقسم على ذلك تأكيدا. ‏و‏قوله: ( لخُلُوف ) ‏أن المُراد به تغيُّرُ رائحة فمِ الصائم بسبب الصيام.

تحديد مواعيد الإمساك والإفطار في القرآن الكريم والحديث الشريف

قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَد مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل" سورة البقرة، الآية: 187. يُستدلُّ من هذه الآية الكريمة على أن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع الحلال في أيِّ الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبّر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ورفع اللبس بقوله تعالى: " من الفجر".
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري في الجامع الصحيح إذ قال: "‏حَدَّثَنَا ‏حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ‏حَدَّثَنَا ‏هُشَيْمٌ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏عَنْ ‏الشَّعْبِيِّ ‏عَنْ ‏عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏قَالَ: ‏‏لَمَّا نَزَلَتْ [‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ ‏الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ‏مِنْ ‏الْخَيْطِ الأَسْوَدِ]  ‏عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ؛ فَلا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ‏فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: ‏إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ". وفي رواية أُخرى: فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ وِسَادك إِذًا لَعَرِيض إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاض النَّهَار مِنْ سَوَاد اللَّيْل " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ عَدِيّ. قال ابن كثير: ومعنى قوله: إن وسادك إذا لعريض أي: إن كان ليسع الخيطين الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها فإنهما بياض النهار وسواد الليل؛ فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.
 وجاء في بعض الألفاظ " إنك لعريض القفا " ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض والله أعلم، ويفسره رواية البخاري أيضا: "حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ مُطَرِّف عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ: قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا الْخَيْط الأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الأَسْوَد أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ " إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْت الْخَيْطَيْنِ ثُمَّ قَالَ: لا بَلْ هُوَ سَوَاد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار ".
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب ولهذا وردت السُّنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحثِّ على السحور ففي الصحيحين عن أنس قال: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور بَرَكَة " وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ فَصْل مَا بَيْن صِيَامنَا وَصِيَام أَهْل الْكِتَاب أَكْلَة السَّحَر " وَقَالَ الإِمَام أَحْمَد: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن عِيسَى هُوَ اِبْن الطَّبَّاع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" السُّحُور أَكْلَة بَرَكَة فَلا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ تَجَرَّعَ جَرْعَة مِنْ مَاء فَإِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ ".
وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء تشبها بالآكلين ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر. وَروى الإِمَام أَحْمَد بسنده عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الإِفْطَار وَأَخَّرُوا السُّحُور " وقد وردت أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمَّا السُّحورَ "الغداءَ المُبارك".

تخيير المسافرين في رمضان بين الصوم الإفطار
خصّص الإمام البخاري لصوم المسافر الباب الثالث والثلاثين ومابعده حتى الباب الأربعين من كتاب الصوم، فقال: "‏حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ‏أَخْبَرَنَا ‏مَالِكٌ ‏عَنْ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏عَنْ ‏أَبِيهِ ‏عَنْ ‏عَائِشَةَ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏زَوْجِ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏أَنَّ ‏حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ ‏قَالَ لِلنَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ. فَقَالَ: ‏إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ". ‏
 
 وقد شرح هذا الحديث الشريف ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) فقال: ‏قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر.
وفي رواية أبي مراوح في صحيح مُسلم أنه قال: "يَا رَسُول اللَّه؛ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَام فِي السَّفَر فَهَلْ عَلِيّ جُنَاحٌ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ رُخْصَة مِنْ اللَّه، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُوم فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ"
وهذا يُشْعِر بأنه سأل عن صيام، الفريضة، وذلك أن الرُّخْصَةَ إنما تُطلق في مُقابلة ما هو واجب.
وَأَصْرَحُ من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال "يَا رَسُول اللَّه إِنِّي صَاحِب ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِر عَلَيْهِ وَأْكُرِيهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْر - يَعْنِي رَمَضَان - وَأَنَا أَجِد الْقُوَّة، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَخِّرَهُ فَيَكُون دَيْنًا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَة ".
وروى الإمام البخاري حديثاً أخر في الجامع الصحيح فقال: "‏ ‏عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏خَرَجَ إِلَى ‏مَكَّةَ ‏فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ‏الْكَدِيدَ ‏أَفْطَرَ؛ فَأَفْطَرَ النَّاسُ".‏ و‏كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وقَوْله: (الْكَدِيد): مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْن عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ، وَبَيْنَ الْكَدِيد وَمَكَّة مَرْحَلَتَانِ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي الأَسْوَد عَنْ عِكْرِمَة بلفظ: " فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاس يَشُقّ عَلَيْهِمْ الصِّيَام، فَدَعَا بِقَدَحِ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاس وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ، فَنَاوَلَهُ رَجُلاً إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ "
وَاَلَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْل السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِر رَمَضَان وَدَخَلَ مَكَّة لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ نَوَى الصِّيَام مِنْ اللَّيْل وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاء النَّهَار وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور من أهل السُّنّة والجماعة.
 
وَقَدْ رَوَى اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقَالَ لِأَبِي بَكْر وَعُمَرَ: اُدْنُوَا فَكُلَا، فَقَالَا إِنَّا صَائِمَانِ، فَقَالَ اِعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ اِرْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ اُدْنُوَا فَكُلا " قَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلصَّائِمِ فِي السَّفَرِ الْفِطْرَ بَعْد مُضِيِّ بَعْضِ النَّهَارِ. ‏

Ramadan16.jpg

Ramadan17.jpg

Ramadan12.jpg

 

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
13954971
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة