| الشاعر أحمد رامي |
|
|
|
للاستماع والتحميل: برنامج الشعر والغناء: الحلقة: الخامسة رابط الاستماع والتحميل اضغط ****
*** إذا لم تسمعوا الصوت فهذا يعني أن ليس لديكم برنامج ريل بلير، ومع ذلك يمكنكم الاستماع بتشغيل الملف التالي "فلاش" بالضغط على السهم الأبيض وسط المربع الأسود *** برنامج الشعر والغناء **** شاعر الشباب، وشاعر الحب : أحمد رامي شاعر مصري شهير من أصل شركسي فجده لأبيه الأميرلاي الشركسي حسين بك الكريتلي، ولد في 19 آب/ أغسطس سنة 1892 م. ومات في 5/6/1981. ولد في حي السيدة زينب والتحق رامي بمدرسة المعلمين وتخرج منها عام 1914م، وسافر الى باريس في بعثه لتعلم نظم الوثائق والمكتبات و اللغات الشرقية، ثم حصل علي شهادة في المكتبات من جامعة السوربون، و نال أحمد رامي تقديرا عربيا وعالميا واسع النطاق حيث كرمته مصر عندما منحته جائزة الدولة التقديرية عام 1967م، كما حصل علي وسام الفنون و العلوم، ونال أيضا وسام الكفاءة الفكرية من الطبقة الممتازة حيث قام الملك الحسن الثاني ملك المغرب بتسليمه الوسام بنفسه كما انتخب رئيس لجمعية المؤلفين، وحصل علي ميدالية الخلود الفني من أكاديمية الفنون الفرنسية، وقبل وفاته ببضع سنوات كرمه الرئيس المصري حينها أنور السادات حيث منحة درجة الدكتوراه الفخرية في الفنون. ولكن أحمد رامي أصيب بحالة من الاكتئاب الشديد بعد وفاة محبوبته الملهمة الأساسية له أم كلثوم ورفض أن يكتب أي شيء بعدها حتي رحل ، وقدم أحمد رامي لأم كلثوم 110 أغنيات من أروع ما غنت. ** وقد لحن رياض السنباطي لأم كلثوم القصائد التالية من شعر ، و: على بلد المحبوب 1935م ، و كيف مرت على هواك القلوب 1936م ، و افرح يا قلبى 1937م ، و النوم يداعب جفون حبيبي 1937م ، و فاكر لما كنت جنبى 1939م ، و أذكريني 1939م ، و هاقابله بكرة 1940م ، و يا ليلة العيد 1939م ، و هلت ليالي القمر 1942م ، و يا طول عذابى 1946م ، و غلبت أصالح 1946م ، و غنى الربيع 1946م ، و ياللى كان يشجيك أنيني 1949م ، و سهران لوحدى 1950م ، و يا ظالمنى 1951م ، و أغار من نسمة الجنوب 1954م ، و ذكريات 1955م ، و عودت عينى 1958م ، و هجرتك 1959م ، و حيرت قلبى 1961م ، و أقبل الليل 1969م ، ورباعيات الخيام 1949م مما لاشك فيه أن حب أحمد رامي لأم كلثوم كانت الجذوة التي لم تنطفئ خلال حياته والتي أوصلته إلى الخلود أحمد رامي شاعر ذو موهبة رائعة في نظم الشعر أجزل الله له العطاء في موهبة الشعر ولمع اسمه في أوائل العشرينات حتى خيل للناس أن لا خليفة لأمير الشعراء غير أحمد رامي ولكن في السنوات الأخيرة من نظمه الشعر ارتد رامي عن الكلمة الدارجة إلى الكلمة الفصحى وعاد إلى الإيمان بما خلق من أجله ، وقد خلق ليكون على القمة التي يقف عليها أعلام الشعر العربي في هذا الجيل فمن هو الشاعر أحد رامي الذي جعل من شعره عرشاً تتربع عليه سيدة الغناء العربي أم كلثوم وصاغ لها أرق العبارات وأعذب المعاني من إحساس وشغف وعشق لصوتها يقول عنه أحد الشعراء : ( لم اعرف من بين سير الشعراء سيرة أكثر شاعرية من سيرة أحمد رامي الشاعر الذي انتقل من مروج النرجس في جزيرة طاشيوز (كلمة طاش تركية معناها: حجر، ويوز: وجه؛ ومئة) اليونانية إلى الحياة بين القبور في حي الإمام ثم إلى مجامع المتصوفين في حي الحنفي ، ثم إلى عشرة الشاعر الخيام تحت أضواء باريس ، ثم إلى الفردوس الذي مدته لخياله أم كلثوم . يا مصر أنت كنانة الرحمن في أرضه من سالف الأزمان ساعد بلادك يابن مصر ونيلها واهتف بها في السر والإعلان وأول قصيدة منشورة له كانت في مجلة الروايات الجديدة ومطلعها أيها الطائر المغرد رحمــاك فإن التغريد قد أبكاني غاب دهرا عن هذه الأوطان
وقد مارس احد رامي ثلاثة أنواع من الأدب هي الشعر الوجداني والعاطفي والوطني ثم أدب المسرح فقد زود أحمد رامي المسرح المصري بذخيرة ضخمة تبلغ نحو خمسة عشرة مسرحية مترجمة عن شكسبير الخالد منه:/ هاملت ويوليوس قيصر والعاصفة وروميو وجولييت والنسر الصغير وغيرها مما قدمته مسارح يوسف وهبي وفاطمة رشدي في زمن عزة المسرح والغريب أننا كلما فتشنا فى كواليس المبدعين اكتشفنا أن الحرمان بأنواع وأشكال مختلفة والحرمان من أشياء مختلفة (قدر) يسيطر على بداياتهم أو على كل مشوارهم وأنه (الوقود) الحقيقى لإبداعاتهم.. وقد أجمع غالبية الذين كتبوا عن رامى على أن الحرمان كان العمود الفقرى لتجربته، فيقول الدكتور مندور فى كتابه (الشعر بعد شوقى) (إن حب رامى حب المحروم وأن هذا الحرمان هو زيت القنديل الذى أضاء كل أشعاره). وكتب الشاعر صالح جودت أكثر الناس قربا والتصاقا برامى (رامى ضد المتعة.. ضد اللوكس.. أوضة نوم فى بيته ما زالت بعفشها الذى تزوج به - مكتب قديم مكسور الرجل.. والفونوغراف أبو بوق.. والسرير يئن ويزوم تحت جسد رامى النحيل وينذر بالانهيار.. كلها يحتفظ بها بمعزة لأنها تذكره بأيام متعته : أيام الحرمان). والشىء الصادم أن كل البدايات لم تكن تنبئ أو تؤدى إلى أى نوع من أنواع الحرمان فى حياة أحمد رامى الذى ينحدر من أصول تركية : فجده لوالده الأميرالاى التركى حسين بك عثمان.. ووالده الطبيب رامى حسين عثمان الكريتلى وأمه سيدة مصرية من عائلة عريقة ولكن (جينات الإبداع) فى خلايا الطفل أحمد رامى كان لا بد وأن تحمل معها (قدر المبدعين) من جينات الحرمان. فقد ذاق رامى اليتم وله أبوان.. وعاد الأب من طاشيوز وانتقلت الأسرة إلى بيتها القديم فى حى الناصرية ولكن سرعان ما أجبر الأب على الالتحاق بالجيش وسافر إلى مدينة واو على بحر الغزال فى جنوب السودان وانتقل الطفل أحمد رامى ليقيم عند زوج عمته الذى كان يعمل معاون المدافن الخديوية ويسكن فى حوش الباشا المطل على مسجد السلطان الحنفى ليجد رامى نفسه ممزقا ما بين السلوى والحرمان.. الحرمان المركب الذى تؤججه أصوات المشيعين وهم يشيعون ميتا بالصراخ والنحيب.. والسلوى التى تصاحب حالة السكينة التى تتملكه عندما يجلس طوال الليل، فى نافذة الحجرة ليستمع إلى الدراويش فى مسجد الحنفى وهم يتلون أورادهم وابتهالاتهم واستغاثاتهم فى نغم جميل طول الليل وقد استشرى الحرمان فى وجدان رامى ليصبح جوهر عاطفته نحو الأشياء والناس وليصبح نوعا من حب العذاب (الماشوسية). ويعترف رامى بأثر هذه الأيام على حياته فيقول (حرمان هذه الأيام ا لبعيدة من صباى هو سر المسحة الحزينة فى كل معانى أشعارى). ولأن (الضيق) لابد وأن يكون مقترنا بـ(الفرج) ولأن الإنسان لايمكن أن يعدم (الحيلة) مهما كانت قسوة مأساته فقد وجد رامى (الفرج) فى بيت قريب له من بيت الرافعى وهو بيت علم وأدب وثقافة ووطنية حيث كانت لقريبه هذا مكتبة عامرة آنس إليها الفتى وراح يقضى بها معظم وقته. وتصادف أن كان أول كتاب قرأه رامي (مسامرة الحبيب في الغزل والنسيب) وهو مختارات من شعر العشاق والغزليين، ونستطيع أن نؤكد بأن هذا الكتاب قد قرر مصير الفتى وحكم عليه بالسير دوما فى طريق العشق والعاشقين. وقد تعرف الفتى رامى على جمعية (النشأة الحديثة) والتى تضم مجموعة من فحول الأدباء مثل لطفى جمعة وإمام العبد وصادق عنبر ومحمود أبو العيون.. وتوسم صادق عنبر فى أحمد رامى خيراً عندما سمعه يقرأ الشعر فكلفه بقراءة مختارات من الشعر القديم فى الرواق الأسبوعى للجماعة وفى هذا الرواق قرأ رامى أول قصيدة له وهو فى الخامسة عشرة من عمره وكانت وطنية يقول مطلعها يامصر أنت كنانة الرحمن في أرضه من سالف الأزمان وفى عام 1910 نشرت مجلة الروايات الجديدة أول قصيدة تنشر له ومطلعها أيها الطائر المغرد رحماك… فإن التغريد قد أبكانى وقد حصل رامى على الابتدائية عام 1904 ثم حصل على البكالوريا عام 1911 وفكر بعدها فى دخول كلية الحقوق ولكن حبه للأدب دفعه إلى دخول مدرسة المعلمين العليا حيث تخرج منها عام 1914 (عام الحرب العالمية الأولى). وبعد تخرجه عين مدرسا بمدرسة القاهرة الابتدائية.. وبعد عامين انتقل إلى مدرسة القرية الأميرية وكان يدرس الإنجليزية والجغرافيا والترجمة ثم انتقل إلى مدرسة المعلمين العليا التى تخرج منها ليعمل أميناً لمكتبتها، تلك المكتبة التى راح ينهل منها ويقرأ فى شتى مجالات المعرفة بالعربية والإنجليزية والفرنسية خاصة وأنه قد أضحى شاعرا معروفا وقد حسم رامى موقفه مبكرا حيث كانت هناك مدرستان كبيرتان فى الشعر العربى فى ذلك الوقت مدرسة (الإحياء) أو المدرسة الكلاسيكية الجديدة تلك المدرسة التى بدأت على يد محمود سامى البارودى ووصلت إلى قمتها مع أحمد شوقى وحافظ إبراهيم. ثم المدرسة الرومانسية بروافدها الثلاثة (الديوان - المهجر - أبوللو) وقد انحاز رامى إلى المدرسة الرومانسية وأصبح واحداً من شعرائها البارزين. واتصل بكبار الشعراء فى ذلك العصر وعلى رأسهم شوقى وحافظ وخليل مطران وعبد الحليم المصرى وأحمد نسيم وإن كان أكثر ميلا إلى حافظ وأكثر قرباً منه على المستوى الإنسانى، وكان يعرض أشعاره على حافظ فإما أن يثنى عليها أو إذا لم تعجبه القصيدة يقول لرامى (دى زى السلام عليكم كل واحد يقدر يقولها). وفى عام 1918 أصدر رامى ديوانه الأول وأثار الديوان جدلا كبيرا بين رواد المدرستين القديمة والحديثة حيث جاءت قصائد الديوان رومانسية هادئة ظهر فيها رامى أكثر تحرراً من شعراء الكلاسيكية ولكنه أقل جرأة من معاصريه الرومانسيين ويغلب على رؤيته الفنية أحادية الجانب. رغم أن أشعاره تحمل ثنائية الحب والحزن حيث أن الحب عنده حب محروم مستسلم فيه قناعة وتضحية وينتهى بإذعان وانسحاب باك بينما الحزن خفيض الصوت ناعم رقيق يستعذب الألم ويستمرئ الحرمان ويرى العذاب نعمة. وقد كان رامى يرى الشعر حقيقة داخلية ووحيا يلقى فى روع الشاعر فلا يملك له دفعا ويراه نجوى القلب التى لا يملك الشاعر إلا ترجمتها. كما يرى أن الشاعر صوتا من أصوات الطبيعة موحى إليه يقترب فى شفافيته وصفائه من مرتبة النبوة. وفى عام 1920 صدر ديوانه الثانى وفى عام 1923 صدر ديوانه الثالث وقد صدرت هذه الدواوين بمقدمات لكبار الشعراء أحمد شوقى - خليل مطران - حافظ إبراهيم - وقد كتب حافظ فى مقدمة واحد من هذه الدواوين (أدمنت النظر فى شعر رامى فإذا به من ذلك النوع الحسن الذى يعجزك تقليل حسنه.. وشعر رامى هو شعر النفس وهو أرقى مراتب الشعر… ورامى شاعر موفق الشيطان إذا تغزل أو وصف .. رقيق حواس الألفاظ بعيد مرامى المعانى يقول الشعر لنفسه وفى نفسه). وبعد أن رسخت قدم رامى كشاعر رومانسى لا يتسم بالفحولة وإن كان يتسم بالسلاسة والعذوبة أرسلته مدرسة المعلمين العليا فى بعثة دراسية إلى فرنسا لدراسة فن المكتبات،، ولكنه قرأ رباعيات الخيام فوقع فى هوى هذا الشاعر الفارسى العملاق وقرر أن يدرس اللغة الفارسية والتحق بالسربون لدراسة اللغات الشرقية . واكتشف أن الشعر الفارسى لا يخرج عن أشكال وبحور الشعر العربى كما أنه أكثر عناية بالوصف والروحانيات والتصوف والأخلاق والأساطير. وقد نشر رامى 140 رباعية من مجموع 800 رباعية للخيام. وقد أثر الخيام ورباعياته كثيرا جدا فى وجدان وعقل أحمد رامى بل وعلى مسيرته الشعرية حيث يؤكد رامى على أنه لم يكتب الشعر الدينى اكتفاءً بما ترجمه من رباعيات الخيام. وإذا كانت أشعار رامى لا تتسم بالفحولة وتتسم بالسلاسة والعذوبة كما ذكرنا فإنها أيضا تتسم بقدر كبير من العفة والتعفف حيث يخلو ديوانه الذى صدر فى ستة أجزاء من أشعار المدح والهجاء وكلاهما ابتذال، وقد حرص رامى طوال إقامته فى باريس على أن ينشر أشعاره فى مجلتى (السفور) والشباب وكل من المجلتين تمثل علامة فارقة فى مشوار حياته حيث بدأ بنشر أشعاره بشكل منتظم فى مجلة الشباب لصاحبها عبد العزيز الصدر. وقد أطلق الصدر على رامى لقب (شاعر الشباب) نسبة إلى المجلة.. ولكن هذا اللقب ظل لصيقا به طوال مشواره كما ظل رامى طوال الوقت - حتى بعد أن تقدم به العمر - شابا فى إبداعه. أما مجلة (السفور) فقد نشرت لرامي أثناء وجوده فى باريس قصيدة (الصب تفضحه عيونه) فأعجب بها الشيخ أبو العلا محمد الذى كانت تربطه علاقة ود وصداقة بأسرة رامى فأخذها ولحنها وغناها، وكانت أم كلثوم قد ظهرت وأضحت نغما سحريا يتقدم فى خطوات واثقة ليجلس على عرش الغناء العربى واحتضن الشيخ أبو العلا ذلك الصوت العبقرى وأعطاها قصيدة رامى لتغنيها وأصبح الصوت والقصيدة حديث كل الناس فى مصر المحروسة. وعاد رامى من باريس ليجد قصيدته على كل لسان فتعجب من تلك المغنية الفلاحة التى تغنى أشعاره دون أن تستأذنه وذهب مع أحد أصدقائه إلى تياترو وحديقة الأزبكية ليسمعها حيث تغنى وجلس فى الصف الأول فوجدها فتاة تلبس ملابس الرجال والعقال فقال لها (عايز أسمع قصيدتى ياست لأنى كنت مسافر ولم أسمعها) وردت أم كلثوم بسرعة بديهة وذكاء فطرى كان أهم مكونات شخصيتها مترامية الأطراف (أهلا بيك يا سى رامى) وغنت أم كلثوم ليجد رامى نفسه أسيرا لهذه الفتاة صوتا وشخصا وليتأكد من أن هذه الفتاة هى (قدره) الحقيقى. وكانت كتابة الأغانى فى ذلك الوقت مهنة (سيئة السمعة) حيث كان الغناء يتسم بكثير من المدلولات الجنسية وذلك لأنه يقدم فى الكباريهات بشكل أساسى فكيف يكتب رامى الأغانى وهو الشاعر اللامع الذى أصدر ثلاثة دواوين وترجمة لرباعيات الخيام وكيف ينزل من قمة الشعر إلى سفح الأغنية. وفي هذا الوقت لم يكن هناك من كتاب الأغنية المعروفين إلا بديع خيرى ويونس القاضى وأمين صدقى.. ولأن (للهوى أحكام) فلم يطل تفكير رامى أو تردده حيث قرر أن يكتب أغنيات خاصة بأم كلثوم وخطى أولى خطواته فى رمال أم كلثوم المتحركة عندما كتب لها أغنية: (خايف يكون حبك لى.. شفقة علىّ) ودفعتها أم كلثوم إلى أحمد صبرى النجريدى طبيب الأسنان الذى كان يعيش فى طنطا ويلحن الأغانى فانتهى من تلحينها فى خمسة أيام وغنتها أم كلثوم لتحقق الأغنية نجاحا مدويا ليرتبط رامى مع أم كلثوم برباط (الفن المقدس) بعد أن تأكد أن (الرباط المقدس) الحقيقى وهو الزواج لن يكون أبداً.. وكان رامي بعد عودته من باريس قد تم تعيينه رئيساً لقسم الفهارس بدار الكتب، وقد تدرج بها حتى أصبح وكيلا لها، وبعد أن ارتبط فنيا بأم كلثوم قرر أن يعيد صياغة وجدان وعقل هذه الفتاة الريفية، والحقيقة أنه قد استطاع من خلال أم كلثوم أن يعيد صياغة الوجدان العربي بشكل عام وذلك من خلال أغنياته الكثيرة والجميلة التى قدمها لها على مدى سنوات طويلة. وقد خصص رامى يوماً فى الأسبوع لأم كلثوم وهو يوم الاثنين يوم أجازته من دار الكتب وفى كل أسبوع كان يحمل معه كتابا جديداً لتقرأه أم كلثوم ثم يناقشها فيه فى الأسبوع التالى فقدم لها جميع شعراء الغزل (مجنون ليلى - كثير عزة - جميل بثينة - عمر بن ابن ربيعة) كما قدم لها كل شعراء العشق الصوفى (ابن الفارض - الحلاج - ابن عربى) وقدم لها أيضا شعراء المجون (أبو نواس - بشار بن برد) ولم يتوقف عند ذلك بل قدم لها الغناء المصرى الشائع فى القاهرة الشعبية وفي أقاليم مصر المختلفة كما قدم لها غناء المداحين وهكذا تحول رامى إلى مبعوث العناية الإلهية لتثقيف هذه الفتاة القروية التى كانت لاتشبع من الثقافة والأدب والشعر كما كانت تربة عذراء عطشى مما شجعه أكثر على أن يجعل (الحبل السرى) لمشاعره وأحاسيسه مرتبطا بها بل وأن يضع كل حياته بين يديها. واستطاع رامى أن يقنع محمد القصبجى بالتلحين لأم كلثوم وحمل هذا (المثلث الذهبى) رامى والقصبجى وأم كلثوم طليعة التغيير والتطوير فى الغناء العربى.. واستطاع رامى أن يحقق ثورة كبيرة فى عالم الأغنية حيث لم ينس أنه شاعر كبير وبدلا من أن يقال إنه نزل من قمة الشعر إلى سفح الأغنية فقد استطاع أن يرتفع بالأغنية من السفوح إلى القمم فى الكلمة والمعنى انطلاقا من قناعته بأنه يقوم برسالة أدبية وقومية.. واستطاع أن يجعل أغنيته تقترب كثيرا من الشعر مما أثر فى كل كتاب الأغنية بل وفى روح الملحن وحنجرة المغنى حيث تمكن رامى من صنع توليفة لغوية رائعة تجمع ما بين الفصحى والعامية الدارجة أو ما يمكن أن نطلق عليه (اللغة الثالثة) تلك اللغة التى تبناها مجموعة من الرواد مثل توفيق الحكيم فى المسرح ومحمد التابعى فى الصحافة وأيضا يوسف وهبى فى المسرح. وكان رامى يحرص فى كل أغنية على أن يركز على معنى معين من معانى الحب يتناوله بالعرض والتحليل حيث يرى الأغنية مثل الصورة لابد لها من إطار محدد وكان يؤكد على أن كل أغنياته تعبير عن مواقف عاشها سواء فى الفراق أو لقاء الحبيب بل كان يؤكد على أنه يبكى وهو يغنى لكى يهيج مشاعره ليعبر بصدق عن اللحظة التى عاشها. والغزل لدى رامى (عفيف دائما) لأنه لا يتعلق بالأوصاف الجسدية وإنما شوق وحرمان ولقاء وأحلام ووحدة. وإذا كان رامى فى الشعر مصليا وليس إماماً فإنه فى الأغنية إمام وشيخ طريقة وله أتباع ومريدون وتلامذة ومن أشهر تلاميذ مدرسة رامى : مأمون الشناوى - مصطفى عبد الرحمن - حسين السيد - أمين الهجين.. وكان رامى يتعامل مع كتابة الأغنية على أنها مخاض حقيقى وعملية ولادة فعلية حيث كان يحمل فى جيبه ورقة وقلما رصاص ليسجل أفكاره وكان يكتب هذه الأفكار في أى مكان وكان يرفض تحويل هذه الأفكار إلى أشعار حتى تلح عليه وتنضج تماماً، وعند ذلك يدخل إلى حجرته ويفلقها ويحتضن وسادته. ويصف رامى حالته عندما يكون فى حالة كتابة فيقول (تشوفنى وأنا ألد أشعارى ما تعرفنيش.. أكتب مقطعا ثم يغيب منى وجدانى.. أستلقى على السرير متوجعاً.. أردد المقطع الذى ولدته بصوت الحداة الذين يرعون الغنم فى السهول.. ثم أبكى من الانفعال حتى يهتز جسدى.. لحظتها تهبط علىَّ كلمات المقطع التالى). فإلى هذا الحد كان يعانى شاعر الشباب فى كتابة أغنياته ولذلك أصبح بلا منازع عميد الأغنية المصرية والعربية. ولذلك لم يكن غريباً أن يحصل على جائزة الدولة التقديرية فى عام 1966 تقديراً لعطائه كشاعر غنائى وقد جاء فى تقرير ترشيحه لجائزة الدولة التقديرية (ولماكانت الأغنية المصرية قد مرت بها فى العهود الماضية فترة انحطاط فقد كان الأستاذ رامى أسبق الشعراء إلى حمل إمامة الأغنية بالاضطلاع بتهذيب ألفاظها والسمو بمعانيها ورفع مستواها مما أدى إلى النهضة التى بلغتها الأغنية العربية فى عهدنا الحاضر… والأستاذ رامى فى جميع إنتاجه الغزير لايقتصر على الناحية العاطفية وحدها بل يتناول الأهداف الوطنية ومن ذلك نشيد العلم ونشيد الجامعة وكثير من أناشيد الثورة). والغريب جداً أن رامى لم ينجح فى انتخابات مجمع اللغة العربية والتهمة أنه يشايع العامية..!! والأكثر غرابة أنه بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية أقسم عليه تلميذه وصديقه صالح جودت أن يعود لكتابة الشعر الفصيح فكتب قصيدة (أقبل الليل) التى غنتها أم كلثوم واستعرض فيها عضلاته الشعرية حيث كتب من عشرة أبحر شعرية مختلفة ورغم تميز هذه القصيدة إلا أنه كان يرى أن قصيدة (ذكريات) هى أجمل ما غنت أم كلثوم من أشعاره. وإذا كانت العلاقة الفنية بين رامى وأم كلثوم تعد بحق (النموذج الأمثل) لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين شاعر كبير ومطربة عظيمة إلا أن العلاقة العاطفية كانت شديدة التوتر بعد أن أصبحت تسير فى اتجاه واحد من رامى إلى أم كلثوم ولم يكن يخجل من إعلان حبه وسعادته بعذاب هذا الحب فكان يقول (تعلمت من تجاربى معها كيف أتجنب الشراك فلا أقع فيها.. فموقفى السلبى هو حصنى الحصين.. رغم أنى كنت أتعذب وهى محط أنظار وعواطف الكثيرين وعندما تملكنى اليأس من الارتباط بها قررت الزواج). ولم يتزوج رامى إلا فى سن الثانية والأربعين والمفاجأة أن أم كلثوم غنت له فى حفل زفافه (اللى حبك يا هناه).. ورغم زواجه كان يردد دوما (إن علاقتى بأم كلثوم لم تكن حبا.. إنما كانت تقديسا.. ما كان بيننا كان أكثر من الحب). وحب رامى فيه عفة وليس فيه ابتذال وفيه وفاء وليس فيه غدر.. وفيه احترام وليس فيه شهوة.. فهو العاشق الذى يغضب فلا يحطم المعبد بل يقف خارج المعبد يتعبد فى المحبوب الذى أذاقه مرارة العذاب ونار الحرمان.. وكان يؤكد أن الحرمان هو أجمل ما فى الحب العذرى.. وقد وصف صالح جودت هذا الحب الغريب بين رامى وأم كلثوم قائلا (ليس حب رجل لامرأة.. فقد كان حبا إلهيا قدسيا.. زى حب الإغريق لآلهة الأوليمب.. أول رامى ما عرف أم كلثوم سنة 24 وهو يحس نحوها بنوع من الغيرة السامية.. نوع من الرغبة في الصيانة والحراسة). وقد ارتضى رامى أن يصبح درويشا يدور فى فلك أم كلثوم الصوت والحبيبة فعندما يسمع صوت أم كلثوم يصاب بحالة (دروشة) ويصف نفسه قائلا (أبقى مذهول ومذهوب بى) ويغمض عينيه ويقول (العيون لها عقل ولسان والصب تفضحه عيونه). وإذا كانت أم كلثوم المطربة قد انتصرت على أم كلثوم الإنسانة فرفضت رامى الحبيب لتحتفظ برامى الشاعر ولتجعل من حبه وقوداً يدفعه لكتابة أغنياته العظيمة. إلا أن عطايا أم كلثوم لرامى لم تكن بالشىء الهين فقد جعلت منه مستشارها الأول حيث تأخذ رأيه فى كل شىء يخصها وتعرض عليه الأغنيات التى يكتبها الآخرون وإذا كان رامى قد كتب ما يقرب من نصف أغنيات أم كلثوم فقد كتب لها بقية أغنياتها 52 شاعرا. كما جعلت أم كلثوم من رامى المستمع رقم واحد لها حيث كانت تحرص حتى رحيلها على أن يجلس فى كل حفلاتها فى المقعد رقم 8 بالصف الأول. كما صممت على أن يصحبها فى كل رحلاتها داخل مصر وخارج مصر بعد حرب 67 عندما أحيت مجموعة كبيرة من الحفلات لصالح المجهود الحربى. وفى المقابل لم يكن رامى يغضب من أى تعديلات تجريها أم كلثوم على كلمات أغانيه طالما أنها لا تغير فى الموضوع وطالما أنها تتم بالاتفاق. خاصة وأنه كان على يقين بأن أم كلثوم هى (ديوانه المسموع) . وعندما رحلت أم كلثوم أصيب رامى بصدمة عنيفة هزت كيانه وأدخلته فى حالة انعدام الوزن واعتزل الناس وعاش وحيداً فى حجرته التى كان يطلق عليها دوماً (الصومعة) وعاش فى دوامة من التصوف والاكتئاب زاد من قسوتها إصابته بتصلب الشرايين والتهاب فى الكلى ورحيل أولاده إلى خارج مصر حيث سافر ابنه محمد إلى إنجلترا وابنه توحيد إلى أمريكا وابنته إلهام إلى ألمانيا.. ولم يكن يفرج عنه إلا بعض الأبيات الشعرية التى يكتبها يناجى فيها ربه مثل : يا إلهى يا خالقى سبحانك ولم يتحدث رامى إلى الصحافة بعد رحيل أم كلثوم إلا قليلا جدا حيث انتقد بعنف حال الأغنية حيث قال (موسيقانا الآن كرجل صعيدى بجلباب بلدى ولكنه يرتدى برنيطة أمريكانى والأغنية الآن كالبطيخة الماوى فيها مياه وكبيرة الحجم وليس لها طعم)، وقال أيضا (الأغنية فقدت الكلمة الحلوة والمعنى الجميل وأصبحت ألفاظها سوقية مكشوفة ومعانيها مبتذلة تافهة وخرجت عن إطار الروحانية وسقطت فى أوحال المادية الحسية).. فماذا لو امتد العمر برامى ليرى ما نعيش فيه من قصف متواصل وحرب ضروس للفضائيات الغنائية التى لا ترى فى الغناء إلا بعض (المشهيات الجنسية المكشوفة) وصدق رامى عندما قال (أغانى هذه الأيام سمك لبن تمر هندى). وقبل أن ننهى هذه الوقفة مع شاعر الشباب أحمد رامى نؤكد على أنه من الظلم أن نحصر عطاءاته الإبداعية فى مجال الشعر والأغنية؛ فقد امتدت عطاءاته إلى عالم السينما والمسرح والترجمة. وبدأت علاقته بالسينما من خلال صديقه الموسيقار محمد عبد الوهاب الذى عرفه قبل أن يعرف أم كلثوم، وكان عبد الوهاب يرى أن رامى (أمير الأغنية) كما أن شوقى (أمير الشعراء) واستطاع رامى أن يجمع ما بين صداقة (القوتين العظميين) رغم كل ما بينهما من اختلافات.. فقد كتب كل أغنيات الأفلام الأربعة الأولى لعبد الوهاب إلا أغنيتين هما «النيل نجاشى» وكتبها أحمد شوقى و«جفنه علم الغزل» وكتبها بشارة الخورى. وبعد بداية تجربته السينمائية مع عبد الوهاب كتب قصة فيلمى أم كلثوم وداد ودنانير. كما قام بترجمة العديد من المسرحيات لوليم شيكسبير مثل هاملت - يوليوس قيصر - العاصفة - النسر الصغير - وقدم هذه المسرحيات لفرقتى يوسف وهبى وفاطمة رشدى كما ترجم أيضا «سبيل التاج» لفرانسوا كوبيه و(سميراميس) لبلاران و(شارلوت كوفارى) ليونارى و(جان دارك) لبارييه و(يهوديت) لبرتشتين و(أرنانى وماريون دى لورم) لفيكتور هوجو. كما كتب رامى عدة مسرحيات من تأليفه وهى : إبنتى - حبابه - غرام الشعراء.
**** أضف للمفضلات (62) | أدخِل المادة في موقعك | عدد التصفحات: 2534
Only registered users can write comments. Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 |
|||||||




Rami.ram 






